الفتح عثمان بن جني، ويُرى ذلك من خلال إسناد ابن جني أكثر ما في هذا الكتاب إلى أبي علي الفارسي، ثم إنّ ابن جني عندما فرغ من تدوين الكتاب، عرضه على شيخه، فاستجاده، ورضي عنه [1] .
وكتاب المنصف وإنْ كان من أدقّ الكتب وأعوصها، سهل العبارة واضحها، إلاّ في القليل النادر، وقد تعمد ابن جني اليسر والسهولة، لأنه وضع هذا الكتاب للمبتدئ، كما هو للمنتهي.
ولم تقف جهود ابن جني في علم الصرف عند شرحه لكتاب المازني، وإنما أفرد للتصريف كتابا خاصا من مؤلفاته هو (التصريف الملوكي) ، ويُعتبر هذا الكتاب خطوة متقدمة في تطور علم الصرف، وهو وإنْ لم يبعُد فيه كثيرا عن كتاب المازني، إلاّ أنه أكثر منه إحكاما ودقة.
لقد رتب ابن جني موضوعات هذا العلم على نحو أدقّ من ترتيب سيبويه والمازني، فجمع القواعد التي ذكرها سيبويه في أبواب التصريف، وقسّمها؛ واضعا لكل قسم منها عنوانا جديدا، يضم ما تفرق من المسائل المتشابهة في فصل أو باب واحد [2] .
وقد جعل ابن جني للتصريف معنيين، إذ يقول [3] :
(التصريف هو أنْ تأتي إلى الحروف الأصول [4] ، فتتصرف فيها بزيادة حرف، أو تحريف بضرب من ضروب التغيير، فذلك هو التصريف لها، والتصريف فيها، نحو قولك: ضَرَبَ، فهذا مثال الماضي فان أردت المضارع قلت: يضرب، أو اسم الفاعل، قلت: ضارب أو المفعول، قلت: مضروب، أو المصدر، قلت: ضربا، أو فعل ما لم يسم فاعله، قلت: ضُرِبَ، وإنْ أردت أنّ الفعل كان من أكثر من واحد، على وجه المقاربة، قلت: ضارب، فإنْ أردت أنه استدعى الضرب، قلت: استضرب، فإنْ أردت أنه أكثر الضرب وكرره، قلت: ضرَّبَ، فإنْ أردت أنه كان فيه الضرب في نفسه، مع اختلاج وحركة، قلت: اضطربَ، وعلى هذا عامة التصرف في هذا النحو من كلام العرب، فمعنى التصريف هو ما أريناك من التلعب بالحروف الأصول لِما يُراد فيها من المعاني المُفادة منها، وغير ذلك، فإذا قد ثبت ما قدمناه، فليعلم أنّ التصريف ينقسم إلى خمسة أضرب: زيادة، بدل، حذف، تغيير حركة أوسكون، أو إدغام) .
(1) المنصف 1/ 6.
(2) أبنية الصرف في كتاب سيبويه، ص 32.
(3) التصريف الملوكي، ص 7.
(4) الحروف الأصول: هي الحروف التي تقابل الفاء والعين واللام في الثلاثي، واللامين في الرباعي وثلاث اللامات في الخماسي.