وأمَّا المعنى الثاني، الذي أشار إليه ابن جني بقوله: وغير ذلك، فقد بسط بعضه في مواطن أخرى حين قال [1] : (التصرف هو أنْ تجيء إلى الكلمة الواحدة، فتصرفها على وجوه شتى) .
فإذا جمعنا بين هذين التعريفين عند ابن جني، كان التعريف عنده هو: تحويل الكلمة من بنية إلى أخرى، لغرض لفظي أو معنوي.
وتابع ابن جني بحث الصرف في مصنفاته الأخرى، ولاسيما كتاب الخصائص، وكتاب التمام في تفسير أشعار هذيل، مما أغفله أبو سعيد السكري، الذي يكاد يكون ميدانا لقضايا النحو والصرف، وتطبيقا لآرائه فيه، كما تقول خديجة الحديثي [2] .
وعلى العموم، فقد كان ابن جني أغزر مادة، وأحسن ترتيبا من المازني، فقد أطال موضوعات الصرف، وناقش كثيرا من الآراء.
ثم عاد علماء العربية إلى بحث موضوعات النحو والصرف بين دفتي كتاب واحد، وإنْ كان بعضهم أخّر بعض فصول التصريف، فجعلها قسما أخيرا من كتابه، وهذا الذي نقوله ربما ينطبق على معظم كتب النحو، قبل ابن جني وبعده.
وهكذا توالت بحوث الصرف مختلطة بالنحو؛ حتى جاء جمال الدين أبو عمر عثمان المالكي، المعروف بابن الحاجب (ت:646 هـ) ، الذي ألَّف في الصرف كتاب الشافية، والذي قيل فيه: إنه هذّب مسائل الصرف، وأحكم بناءها، ورتّب أبوابها، ووضع فصولها وضعا علميا سليما، جمع فيه ما تفرّق من مسائله، التي نعرفها، ولم يشذّ عنه مبحث من مباحث التصريف، التي تطرّق إليها الباحثون؛ منفردة أو مضمنة في كتب النحو واللغة، وصارت الشافية بذلك من أمثل كتب الصرف، من حيث الإحاطة والتبويب [3] .
وفي هذا القول نظر، فقد أدرج ابن الحاجب في كتابه، بعد أنْ عرّف التصريف: أبنية الماضي، وأبنية المضارع، والصفة المشبهة، والمصدر، وأسماء الزمان والمكان والآلة، والمصغّر، والمنسوب، والجمع الثلاثي، والتقاء الساكنين، والابتداء، والوقف، والمقصور، والممدود، والزيادة، والإمالة، وتخفيف الهمزة، والإعلال، والإبدال، والإدغام، والحذف الإعلالي والترخيمي، ومسائل التمرين، وكان آخره مقدمة في الخط.
(1) الحروف الأصول: هي الحروف التي تقابل الفاء والعين واللام في الثلاثي، واللامين في الرباعي وثلاث اللامات في الخماسي.
(2) أبنية الصرف في كتاب سيبويه، ص 33
(3) أبنية الصرف في كتاب سيبويه، ص 34، 39، 40.