وأظن أنّ صنيع ابن جني أدق وأحكم مما فعل ابن الحاجب، فلسنا موقنين أنّ التقاء الساكنين، والابتداء، والوقف، والإمالة، وتخفيف الهمزة، والإدغام من التصريف، كما أنّ المشتقات أقرب ما تكون إلى مسائل اللغة، وإنْ كان الدارسون المتأخرون قد سلموا بأنها أبواب تصريفية خالصة.
وليس في كلامنا ما يمنع من القول بأنّ كتاب الشافية يكاد يكون المرجع الأكثر شمولا، والأغزر تعليلا في مباحث علم الصرف، فقد جمع ابن الحاجب فيه زبدة من التصريف، غير تارك مما يجب علمه، ولا يجمل بالمتأدب جهله شيئا، وإنْ لم يكن بعضه من صميم الصرف ـ كما أسلفنا ـ مُشيرا فيه إلى اختلافات العلماء أحيانا، وإلى لغات العرب ولهجاتهم أحيانا أخرى.
وقد شرح رضي الدين الاسترباذي (ت:686 هـ) شافية ابن الحاجب، فجمع في شرحه أوابد الفن وشوارده، وأتى بين ثنايا شرحه على أمثلة سيبويه وتنظيره، وغرر ابن جني وتدقيقه، وأسرار ابن الأنباري واستدلاله وتعليله، فجاء شرحه من أمثل الشروح الصرفية؛ ترتيبا، وتبويبا، وتدقيقا، وتحقيقا.
أمَّا الدراسات الصرفية التي أعقبت ابن الحاجب، فقد ترسّمت خطاه، واقتفت آثاره، ولم تحد عن منهجه إلاّ في أمور عارضة أو تفصيلية، ومع هذا فقد عاد معظم الدارسين المتأخرين إلى الجمع بين الدراسات النحوية والصرفية على صعيد واحد.
وأمَّا علماء الأندلس فقد شرعوا يدرسون الصرف في أوائل القرن الرابع الهجري، وكانوا قبل ذلك لا يُعيرونه اهتماما [1] ؛ حتى ورد عليهم محمد بن يحيى الرباحي (ت:358 هـ) ، فنهّج لهم سبيل النظر فيه، وأعلمهم ما عليه أهل المشرق بهذا الشأن.
وفي عهد الرباحي كانت جهود القالي (ت:356 هـ) ، وبعده جهود ابن القوطية (ت:367 هـ) ، والزبيدي (ت:379 هـ) ، وابن سيده (ت:458 هـ) ، ثم ألّف أبو موسى الجزولي (ت: ما بين 606 ـ 616 هـ) كتاب القانون، الذي عُرِف باسم المقدمة الجزولية، وهو كتاب في النحو والصرف، ولكن مؤلفه لم يفصل بين موضوعاتهما، وإنما بحثهما كعلم واحد، وكتب زين الدين يحيى بن عبد المعطي (ت:628 هـ) عدة مؤلفات، أشهرها كتاب الدرة الألفية في علم العربية، وهي منظومة شعرية في النحو والصرف، ولكنّ صاحبها لم يخلط موضوعات النحو بالصرف، وإنما ذكر كل قسم منهما على حدة [2] .
(1) طبقات الزبيدي، ص 311.
(2) أبنية الصرف في كتاب سيبويه، ص 36.