يرى أنه لا ينبغي أنْ يُقضى على حرف بزيادة إلاّ بدليل، ثم يُعقب بقوله: (فالصحيح في اللفظ، والجاري في تمثيل الكلمة بالفعل، ما ذهب إليه أهل البصرة) [1] .
ويعتمد ابن عصفور على علماء البصرة في توجيه القراءات القرآنية، فهو يرى أنّ قراءة أبي عمرو بن العلاء {الرُّعْبَ بِمَا} [2] بإدغام باء الرعب في الباء التي بعدها، غير قياسية، والذي دفعه إلى هذا القول هو أنّ البصريين لا يُجيزون هذه القراءة، وكذلك الحال في قراءة: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [3] إدغام النون في التاء، وقراءة {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} [4] ،بإدغام الذال في التاء، وهذا غير جائز في نظر ابن عصفور، لا لشيء، إلاّ لأنّ ذلك غير جائز عند البصريين على حال، لِما في ذلك من الجمع بين الساكنين، وليس الساكن الأول حرف مدّ ولين [5] ، وكذا الحال أيضا في قراءة [6] {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [7] بإدغام السين في الشين.
فابن عصفور يُرجح رأي البصريين في منع الإدغام في هذه الآيات؛ محتجًا بأصلين من أصول الإدغام عند البصريين، هما: إنّ إدغام هذه الحروف مع بعضها بعضا لا يجوز في مثل هذه المواضع، لأنّ الإدغام يؤدي إلى الجمع بين ساكنين، وليس الحرف الأوَّل حرف مدٍّ ولين [8] .
وإذا كان ابن عصفور استعان بالبصريين في هذه الأمثلة وغيرها، ليرجح رواية على أخرى ترجيحا صريحا، فإنه لا يُصرح في بعض الأحيان بأنّ هذا الرأي هو رأي البصريين، فهو يدفع رأي الكوفيين في (جبذ وجذب) الذين يرون أنهما من القلب المكاني، ويرى أنهما لغتان، وليس في أحد النظمين ما يشهد له بأنه مقلوب من الآخر، فكل واحد منهما أصل بنفسه [9] .
وهذا الذي ذهب إليه ابن عصفور، هو رأي البصريين في هذه المسألة [10] .
إنّ موقف ابن عصفور من المذهب البصري، هو موقف المشايع، الذي يدفع عنه، ويردّ أقوال الآخرين، وعلى الرغم من تقديره لهذا المذهب، فإنّ موقفه من أعلامه ـ باستثناء سيبويه ـ يتسم بتوجيه النقد الصريح لهم، ويبدو أنّ ابن عصفور كان يُعارض كل مَن يخرج على
(1) الممتع في التصريف 311 ــ 312.
(2) آل عمران /151،والآية بتمامها [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] .
(3) آل عمران / 32، 63، 64، والنساء / 89، والمائدة / 49، والتوبة /129، وهود /57، والنحل /82 والأنبياء/109، والنور /54.
(4) النور/15.
(5) الممتع في التصريف، ص 719، 721، 722.
(6) اختلف النقل عن أبي عمرو بن العلاء في هذه القراءة، فالبعض يرى أنه أدغم، وبعضهم قال: إنه منع إدغام السين في الشين. انظر الممتع في التصريف، ص 726، وابن خالويه، مختصر في شواذ القرآن، 83.
(7) مريم / 4.
(8) الممتع في التصريف، ص 726.
(9) الممتع في التصريف، ص 618.
(10) شرح شافية ابن الحاجب 1/ 24.