الإجماع البصري، ويُخالف مذهب سيبويه، وربما دفعه هذا الموقف أنْ يأخذ بعض توجيهات مسائل كتابه من الكوفيين والبغداديين.
ابن عصفور والخليل:
الخليل بن أحمد من رؤوس البصريين، يتناوله ابن عصفور بالنقد، ويردّ كثيرا من أقواله، فيعرّض بكتاب العين، ولا شكّ أنّ التعريض بالكتاب، يُقصد به النيل من صاحبه، فابن عصفور يرى أنّ الهاء في (أمّهة) زائدة، والدليل على ذلك قولهم: أمّ بيّنة الأمومة، بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والصحيح أنها زائدة، لأنّ الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأمَّا (تأمهت) فانفرد بها صاحب العين، وكثير ما يأتي في كتاب العين بما لا ينبغي أن يؤخذ به، لكثرة اضطرابه وخلله [1] ، ومثل هذا الموقف من كتاب العين وجدناه في مواضع أخرى من كتاب الممتع [2] .
أمَّا المسائل التي جمع فيها بين الخليل وغيره من العلماء، فإنّ ابن عصفور يُرجح مذهب الآخرين على مذهب الخليل، ومن ذلك أنّ في (استحى) قولين، أحدهما للخليل، الذي يرى أنه لمّا اعتلت العين سكنت، وسكنت اللام أيضا كذلك بعدها للإعلال، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، والمذهب الثاني للمازني، الذي يرى أنّ الألف حذفت تخفيفا، فيعقّب ابن عصفور بقوله: ومذهب المازني أقوى [3] .
فإذا كانت المسألة تجمع بين سيبويه والخليل، فهي من المسائل التي يأخذ بها ابن عصفور، ومن أمثلة ذلك اسم المفعول من مبيوع ومقوول، حيث يُصحح ابن عصفور مذهب سيبويه والخليل، ويُدلل على فساد مذهب الأخفش [4] .
وربما جمع ابن عصفور بين الخليل ويونس في نقده، لاجتماعهما في قصور الدليل، فالخليل يرى أنّ الزائد في المضعّف هو الحرف الأول، ويرى يونس أنّ الثاني هو الزائد، فيعرض ابن عصفور هذين المذهبين، ويرى أنّ في حجة كل منهما قصورا، حيث يقول:
(وهذا الذي احتج به الخليل ويونس لا حجة لهما فيه، لأنه ليس فيه أكثر من التأنيس بالإتيان بالنظير، وليس فيه دليل قاطع) [5] .
(1) الممتع في التصريف، ص 219.
(2) الممتع في التصريف، ص 115، 165، 171.
(3) الممتع في التصريف، ص 586.
(4) الممتع في التصريف، ص 454 ــ 458.
(5) الممتع في التصريف، ص 304.