إنّ ابن عصفور لم يحكم على هذه المسألة بالفساد عند الخليل ويونس، والسبب الذي منعه من ذلك أنّ سيبويه يقول: (وكلا القولين صريح ومذهب) [1] ، فلمَّا لم يجد ابن عصفور ما يُبرر نقده لأحد المذهبين، رمى حجج الفريقين بالقصور.
ابن عصفور وسيبويه:
إنّ موقف ابن عصفور من سيبويه، هو موقف الإجلال والتقدير، فلهذا العالِم عنده منزلة لا يدانيه فيها بصري آخر، لهذا نرى ابن عصفور يحشد الحجج والسبل كافة، لتصحيح مذهب سيبويه، وقد يُصرح في بعض الأحيان بأنه يذبّ عن سيبويه، وإنْ لم يلتزم ذلك دائما.
ففي أبنية الأسماء لم يذكر سيبويه (أَفْعُل) واستدركه عليه الزبيدي، فيدفع ابن عصفور استدراك الزبيدي على سيبويه، ويُثبت خطله، فهو يقول:
(وحكى الزبيدي أَصْبُع، وأَنْمُله، فإنْ ثبت النقل بهما، لم يكن في ذلك استدراك على سيبويه، لأنه قد حكي فيه أُصْبُع، وأُنْمُله، بضم الهمزة، فيمكن أنْ يكون الفتح تخفيفا، كما قالوا في بُرْقُع: بُرْقَع بالتخفيف) [2] .
وقد خصص ابن عصفور في كتابه الممتع فصلا خاصا بما لم يذكره سيبويه من حروف الإبدال، فقد ذكر منها سيبويه أحد عشر حرفا، فيعقب ابن عصفور بقوله:
(وزاد بعض النحويين في حروف البدل السين والصاد والزاي والعين والكاف والفاء والشين) [3] .
ويأخذ ابن عصفور في تفصيل وجوه الإبدال في هذه الحروف، ثم يعتذر لسيبويه بقوله:
(والسبب في أنْ لم يذكر سيبويه هذه الحروف السبعة في حروف البدل، أنها تنقسم قسمين: قسم الإبدال فيه مراد به تقريب الحرف من غيره، فبابه أنْ يُذكر في البدل، الذي يكون بسبب الإدغام، لأنه يُشبهه، وهو إبدال الصاد من السين، إذا كان بعدهما طاء أو خاء أو غين أو قاف، وقد تقدّم تبيين ذلك، وقسم الإبدال فيه قليل جدا، أو في لغة بعض العرب، فلم يعتبره، وهو ما بقي من سبعة الأحرف، فأمَّا الكاف والسين والشين والفاء، فإبدالهما قليل جدا، وأمَّا العين فإبدالها من الهمزة قليل، ولا يفعل ذلك إلاّ بنو تميم، وكذلك إبدال الزاي من الصاد، وإنما تفعله كلب) [4] .
(1) الممتع في التصريف، ص 304.
(2) الممتع في التصريف، ص 75 ــ 76.
(3) الممتع في التصريف، ص 410.
(4) الممتع في التصريف، ص 415.