وعندما يكون في المسألة أكثر من قول، ويكون أحد هذه الأقوال لسيبويه، فإنّ ابن عصفور غالبا ما يُرجح مذهب سيبويه على الأقوال الأخرى، ومن ذلك ترجيحه لمذهب سيبويه في اسم الفاعل من جاء، على مذهب الخليل بن أحمد [1] .
كما انتصر ابن عصفور لسيبويه على الأخفش في كثير من المواطن، فسيبويه يرتب أقصى الحروف مخرجا من الحلق على النحو التالي: (الهمزة، فالألف، فالهاء) أمّا الأخفش فيرى الصواب أنْ تكون الهاء والألف بعد الهمزة معا، وليست إحداهما أسبق من الأخرى، فيردّ ابن عصفور مذهب الأخفش بقوله:
(والدليل على فساد مذهبه، وصحة ما ذهب إليه سيبويه، أنه متى احتيج إلى تحريك الألف، اعتمد بها على أقرب الحروف إليها، فقلبت همزة نحو رسالة ورسائل، فلو كانت الهاء معهما من مخرج واحد، لقلبت هاء، لأنها إذ ذاك أقرب إليها من الهمزة) [2] .
ومذهب سيبويه في أشياء يستحسنه ابن عصفور، ويفضِّله على مذهب الكسائي من ناحية، ومذهب الفراء والأخفش من ناحية أخرى [3] .
كما يستصوب ابن عصفور ما ذهب إليه سيبويه في سين اسطاع، ويُرجحه على مذهب الفراء، ومذهب المبرد [4] ، كما يُصحح مذهب سيبويه على مذهب الزجاج في تنوين جوار [5] ، ويعترض ابن عصفور على أبي بكر بن السراج؛ مؤيدا رأي سيبويه في مثل افعوعل من القول [6] ، كما يرجح مذهب سيبويه على مذهب ابن جني في قول سيبويه إنّ افعنلى فعل لازم، في حين يرى ابن جني أنه قد يكون متعديا [7] .
لقد كان ابن عصفور يوجه مسائله؛ تبعا لِما يستنبط من أقوال سيبويه، وإذا وهم أحد العلماء في اعتماده على سيبويه، دفع ابن عصفور ذلك الوهم، وأبدى وجه الصواب [8] .
لا عجب أنْ يهتم ابن عصفور بسيبويه هذا الاهتمام، فقد كان سيبويه أستاذه، الذي جعله إماما في النحو، لا يُشقّ له غبار، ولولا سيبويه وكتابه، لما اشتُهِر ابن عصفور إلى هذا الحد.
(1) الممتع في التصريف، ص 509.
(2) الممتع في التصريف، ص 668 ــ 669.
(3) الممتع في التصريف، ص 513.
(4) الممتع في التصريف، ص 224 ــ 226.
(5) الممتع في التصريف، ص 554.
(6) الممتع في التصريف، ص 748.
(7) الممتع في التصريف، ص 186.
(8) الممتع في التصريف، ص 283.