وكل هذا لا يعني أنّ ابن عصفور كان دائم الدفاع عن سيبويه، فهو يُقرّ بسهو سيبويه أو قصوره عندما يُعوزه الدليل، وتخفى عليه المسوغات، كما يُخالف سيبويه إذا وجد أنّ آراءه تخالف المسموع أو المقيس، فقد أقر بسهو سيبويه في بناء فِعِل، فهو يقول:
(ولم يجئ منه إلاّ إِبِل خاصة فيما زعم سيبويه، وحكى غيره أَتان إِبِد، للوحشية، فأمَّا إِطِل فلا حجة فيه، لأنّ المشهور فيه إِطْل، بسكون الطاء، فإِطِل يمكن أنْ يكون مما أتبعت الطاء فيه الهمزة للضرورة، لأنه لا يُحفظ إلاّ في الشعر ... وكذلك حِبِرة، الأفصح المشهور فيها إنما هو حِبْرة، وحِبِرة ضعيف، وكذلك بِلِز، لا حجة فيه، لأنّ الأشهر فيه بِلِزّ بالتشديد، فيمكن أنْ يكون بِلِز مخففا منه) [1] .
إنّ ابن عصفور يُقرّ أنّ إِبِد من فوائت سيبويه، ولكنه لا يرى إِطِل، وحِبِرة، وبِلِز مما فات سيبويه، ومع ذلك فإنه لا يتعقبه بنقد.
ومما أقرّ فيه بقصور سيبويه إدغام الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء في الجيم، حيث يقول:
(وتدغم هذه الستة في الضاد والجيم والشين والصاد والزاي والسين، ولم يحفظ سيبويه إدغامها في الجيم) [2] .
ويُعلل سيبويه همز مصائب بأنهم غلطوا، فشبهوا ياء مصيبة، وإنْ كانت عينا، بالياء الزائدة في نحو صحيفة، فقالوا: مصائب، كما قالوا: صحائف، ومذهب الزجاج في ذلك أنّ الأصل مصاوب، شبهوا الواو المكسورة حشوا بها في أول الكلمة، فأبدلوا منها همزة، فقالوا: مصائب، فيقول ابن عصفور: (ومذهب الزجاج أقيس عندي، لأنه قد ثبت له نظير) [3] .
ويرى سيبويه أنّ الأصل في اطمأنّ، أنْ تكون الهمزة قبل الميم، واطمأنّ مقلوبا منه، أي أنّ أصل اطمأنّ هو طأمن، ثم قُدِّمت الميم على الهمزة، وضعّفت النون، وخالف الجرمي في ذلك، فقال: إنّ الأصل اطمأنّ بتقديم الميم على الهمزة، فيقول ابن عصفور: (وهو الصحيح عندي، لأنّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه) [4] .
لقد نصّ ابن عصفور في المسألتين السابقتين على مخالفة سيبويه، وحجته في ذلك القياس والسماع، ولكنه في بعض الأحيان يُخالف سيبويه، دون أنْ يجري لاسمه لفظ على لسانه [5] .
(1) الممتع في التصريف، ص 65.
(2) الممتع في التصريف، ص 701.
(3) الممتع في التصريف، ص 340.
(4) الممتع في التصريف، ص 617 ــ 618.
(5) انظر: ابن عصفور والتصريف، ص 96 ــ 97.