فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 369

ومن خلال إشارتنا إلى علماء الصرف، الذين أخذ عنهم ابن عصفور، وناقش آراءهم، تبدّت لنا ملاحظة قيّمة، هي أنه اتخذ لنفسه قاعدة لُحمتها ألاّ يتخطى في تأثّره فحول المتقدمين من العلماء، لذلك فإنه لم يتعد القرن الرابع الهجري، فقد أورد آراء النحاة المشهورين من أعلام المذاهب الثلاثة، وأسندها إلى أصحابها، وكان يُناقشها، وفي الغالب ما كان يردها، إلاّ ما كان من موقفه مع سيبويه، ولعلّ في ذكره مَن ذكرَ من النحاة دليلا على دقته وأمانته العلمية.

وربما كان في انتقاص ابن عصفور لهؤلاء الأعلام أنه كان يرغب في أنْ يُظهر تفوقه عليهم ليبزهم، فيقرن اسمه بأسمائهم، وينتظم في سلكهم.

وقد لاحظنا من خلال هذا الفصل أنّ ابن عصفور كان يضع أبا علي الفارسي في المرتبة الثانية بعد سيبويه، فهو لم يصف مذهبه بالفساد أو البطلان، ولو مرة واحدة، كما أنّ نقده له يحمل في طياته احتراما وتقديرا، لا يفوقه إلاّ ما كان من تقديره واحترامه لسيبويه، في حين أنه أكثر من وصف مذاهب علماء الصرف الآخرين وآرائهم بالفساد والبطلان.

وعلى النقيض من ذلك كان موقفه من الأخفش الأوسط والفراء، فقد نال الأول منهما أكثر مما نال غيره من التعرض له، والتعريض بمذهبه، وقد احتل الفراء المنزلة الثانية في مخالفات ابن عصفور لمذهبه وآرائه.

وابن عصفور لا يدّعي أنه أبدع في التصريف، بل إنه يقرّ في مقدمة كتابه أنه نسّق جهود أسلافه، بعد أنْ هذبها، واختار منها ما يُناسبه، وما يتفق منها مع مذهبه، وعلى ذلك فإنّ موقفه من علماء التصريف كان موقف المختار، الذي يأخذ ما يشاء، ويطرح ما يُريد من المسائل التي لا تتفق وأصول مذهبه ومنهجه، فلا عجب ـ والحال هذه ـ أنْ تختلف نظرته إلى علماء التصريف باختلاف مواقفهم ومذاهبهم.

ولا يعني هذا أنّ ابن عصفور كان مجرد ناقل أو جامع، يجمع الآراء ويقدمها للدارسين، بل كانت له مقدرة فائقة على التعليل والترجيح والتخريج، وبيان الحكمة في تصاريف العربية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ابن عصفور كان إماما في النحو والصرف، وهو على إمامته فيهما، فقد رأيناه في النحو أمثل منه في الصرف، وقد تبدّت لنا هذه الإشارة من خلال رحلتنا مع مصنفاته الحسان، التي انتهت إلينا، والتي تدل على فضله الجم، وعلمه الغزير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت