ومن المسائل التي عارض فيها ابن عصفور آراء ابن جني [1] . ما زعمه أبو الفتح من أنّ افعنليت يكون متعديا وغير متعد، وزعم سيبويه أنه لا يتعدّى، فيقول ابن عصفور تعليقا على رأي أبي الفتح: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، لانّ ما استشهد به ابن جني رجز مصنوع [2] .
وقد زعم ابن جني أنّ النون في نبراس زائدة، ووزنه نفعال، وجعله مشتقا من البِرْس، وهو القطن، لأنّ الفتيل يُتخذ في الغالب من القطن، فيقول ابن عصفور: وذلك اشتقاق ضعيف جدا، بل لقائل أنْ يقول: الغالب في الفتيل ألاّ يكون من القطن [3] .
لقد وقفنا في الباب الثاني على مذهب ابن عصفور النحوي، فرأيناه نصيرا للمذهب البصري، ولكنه لم يحدد لنا مذهبه الصرفي من خلال كتابه الممتع في التصريف، فدفع ذلك أحد الباحثين [4] في كتاب له عن ابن عصفور إلى الغلو، فأخرجه من المذهب البصري، وجعله من أنصار المذهب الأندلسي، الذي لم يكن موجودا ـ في زعمنا ـ والسبب الذي أوقع الباحث في ذلك أنه رأى ابن عصفور يُخالف نحاة البصرة في بعض المسائل الصرفية، التي ضمنها كتابه، ونسي أنّ الخلاف كان قائما بين علماء المذهب الواحد، فلم يُجمع البصريون على كل ما ذهب إليه سيبويه، وكذلك لم يُجمع الكوفيون على الكسائي والفراء، وكثيرا ما نجد في كتب النحو عبارة: قال البصريون إلاّ الأخفش، وقال الكوفيون إلاّ الفراء، وأشباه ذلك، فإنْ دلت مخالفة ابن عصفور للبصريين في بعض أقوالهم على شيء، فتدل على أنّ الرجل كان متحررا من قيود العصبية المذهبية في ميدان الصرف، فهو يُقلب المسألة على وجوهها المختلفة، ويُعلل كل وجه منها، ويختار من آراء العلماء جميعا، لذا فهو يفترض في المسألة الواحدة فروضا متعددة، ويُجري تجاربه على كل فرض منها على حدة، ليصل إلى الرأي الذي ارتضاه، وقصد إليه؛ معتمدا في ذلك على الحجاج والاستدلال، مع مراعاة الكثير، وتغليب النظير، بما لا يُخالف السماع والقياس والإجماع، فهو على وجه العموم يوافق البصريين في أكثر المسائل والأصول، فهو بصري، لا تخرجه مخالفاته لعلماء البصرة من حدود بصريته.
لقد اعتمد ابن عصفور في تصنيف الممتع على عدد كبير من كتب الصرف التي تقدمته، حيث كانت المكتبات العربية ـ حينما شرع في تصنيف نؤلفه ـ تحتوي على قدر هائل من الكتب التي يُستعان بها في هذا الشأن، سواء كانت من الكتب الصرفية، التي تضم بعض مسائل اللغة، أم من الكتب الأدبية والنحوية واللغوية، التي تضم بعض الموضوعات، أو المسائل الصرفية،
(1) بلغ مجموع المسائل التي عارض فيها ابن عصفور أبا الفتح تسع مسائل، انظر: الممتع في التصريف، ص 92، 128، 214، 277، 749، 757، 759، بالإضافة إلى ما ذُكِر.
(2) الممتع في التصريف، ص 185 ــ 186.
(3) الممتع في التصريف، ص 266.
(4) هو فخر الدين قباوة في كتابه: ابن عصفور والتصريف.