ينبغي أنْ يُلاحظ أنّ ابن عصفور يريد النون التي تُسمع خفيّة من غير إدغام أو إظهار، ولا يُريد النون التي تسكن بعد حركة، أو التي يُمكن تحريكها، فتلك سبق الكلام عليها بين اللام والراء، ووصفها ابن عصفور بالخفيفة؛ لأنها حينئذ لا تكون متحركة البتة، وتكون خفتها إذا جاءت متبوعة بحرف من خمسة عشر حرفا [1] ، ويمكن أنْ نلحظ الفرق بين صوتي النون بوضوح في قولنا: (مَن عاد) ، و (مَن قال) ، فالصوت في النونين وإنْ كان واحدا في الأصل، إلاّ أنّ خفة النون في (مَن قال) جعل العلماء يذكرون نونين، ويُشيرون إلى مخرجين، فبعد أنْ نفتح الشفتين بالميم في (مَن عاد) ، يتصل طرف اللسان باللثة، فويق الثنايا، أو بأصول الثنايا، ويخرج الهواء بغنة من الأنف بعد أنْ ينخفض الحنك اللين، ليقفل طريق الفم أمامه [2] .
أمَّا في (مَن قال) ، فإنّ اللسان لا يمس اللثة، أو أصول الثنايا، بعد انفتاح الشفتين بالميم، بل يبقى طرفه مستلقيا في الفم، وكأنه يستعد لنطق القاف، وينخفض الحنك اللين، ليخرج الهواء بغنة من الأنف، واستعداد اللسان لنطق الحرف الذي بعد النون، يمكن ملاحظته بوضوح، بأن تتنوع الحروف في التجربة، كأن يُستعمل بعدها الجيم والذال والفاء، في مثل: مَن جاء، مَن ذاك، مَن فاز.
وقد ذهب بعضهم إلى حدوث إبدال في النون الخفيفة، فيبدو أنّ النون في هذه الحال كانت تبدل تقريبا في نفس الوقت، فيصير مخرجها إلى الحرف الذي بعدها [3] .
والذي نراه أنّ الإبدال غير واقع حقيقة، لأنّ صوتها باق، وإنْ كان خفيفا، وما دام صوت النون باقيا، فلا يمكن أنْ ننطق أيّ حرف آخر، سوى الميم الذي يُشارك النون في خروج الهواء من الأنف، لأنه مع النطق بالنون يكون طريق الهواء إلى الفم مغلقا، فلا يتأتى نطق أي حرف يكون بخروج الهواء من الفم، وهي جميع الحروف، سوى الميم والنون، ويبدو أنّ ما أسميناه باستعداد اللسان، لنطق الحرف الذي بعدها، هو الذي أوهمه، فظن وقوع الإبدال، وعلى هذا يبقى مخرج هذه النون الخيشوم وحده، مع وضع اللسان في حالة تهيؤ؛ لنطق الحرف الذي بعدها.
هذه هي مخارج الحروف عند ابن عصفور، وبعد هذه الدراسة، تبدّت لنا الملاحظات التالية:
(1) إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، ص 72، والحروف التي تكون النون خفيفة إذا كانت متبوعة بأحدها، هي:
ق، ك، ج، ش، ض، ص، ز، س، ذ، ث، هـ، د، ت، ف، ظ.
(2) السعران، علم اللغة، ص 185.
(3) كانتينو، دروس في علم أصوات العربية، ص 61.