لقد وصف ابن عصفور مخارج الحلق بعبارة موجزة، وقسم مخارج الحلق على: أقصى الحلق، ووسط الحلق، وأدنى الحلق، أمَّا باقي المخارج، فقد وصفها بعبارات طويلة، تضمنت تحديد النقطة التي يتم فيها النطق، من جانبين اثنين: اللسان، والحنك الأعلى، ويختلف هذا الوصف عن الوصف الحديث، عند علماء الأصوات، فهم يحددون المخرج بوصف أساسي واحد، ويجعلون الصفة الأخرى، أو باقي الصفات تابعة، وتتفق كيفية وصف ابن عصفور مع الوصف الحديث اتفاقا كاملا في بعض المخارج، فمثلا يصف ابن عصفور مخرج الفاء على النحو التالي: من باطن الشفة وأطراف الثنايا العُلى، ويوصف هذا المخرج في البحث الحديث بأنه شفوي أسناني.
وقد لاحظنا أنّ ابن عصفور قد وافق ما جاء في كتاب سيبويه، من حيث ترتيب الحروف، داخل المجموعة الواحدة، إلاّ تقديم الألف على الهاء في مخرج أقصى الحلق، وترتيب حروف الصفير، فهي عند سيبويه (ز. س. ص) ، وتقديم الثاء على الذال في حروف ما بين الأسنان، كما لاحظنا خلافا في وصف مخرج النون ما بين ابن عصفور وسيبويه.
أمَّا تقديم الألف على الهاء في كتاب الممتع، فهو الصحيح، لأنه متى احتيج إلى تحريك الألف اعتُمد بها على أقرب الحروف إليها، فقلبت همزة، نحو: رسالة، ورسائل، فلو كانت الهاء معها من مخرج واحد لقلبت هاء، لأنها إذ ذاك أقرب إليها من الهمزة، كما يقول ابن عصفور [1] ، والراجح أنّ تقديم الهاء على الألف في كتاب سيبويه، إنما هو من عمل النسَّاخ، لأنّ ابن عصفور نصّ على أنّ الألف مقدمة على الهاء عند سيبويه، وهي معها عند الأخفش، حيث يقول:
(فأقصاها مخرجا الهمزة والألف والهاء، هكذا هي هذه الثلاثة عند سيبويه، وزعم أبو الحسن أنّ الهمزة أولا، وأنّ الهاء والألف بعدها، وليست واحدة عنده أسبق من الأخرى) [2] .
أمَّا الاختلاف في ترتيب حروف الصفير، وفي حروف ما بين الأسنان، فنابع من أحد أمرين:
الأوَّل: أنْ يكون أيضا من عمل النساخ، خصوصا وأنّ الحروف التي بين الأسنان، وهي: ... (ظ. ث. ذ) قد وردت عند سيبويه، في موضع آخر بنفس ترتيب ابن عصفور لها [3] .
والثاني: أنْ يكون سيبويه، أو ابن عصفور قد أحسّ بأنّ الثلاثة من مخرج واحد، لا يتقدم أيّ منها على الآخر، والفرق بينهما في الصفة، فالزاي من مخرج السين، إلاّ أنها
(1) الممتع في التصريف، ص 668 ــ 669.
(2) الممتع في التصريف، ص 668.
(3) الكتاب 4/ 433، وقارن بـ 4/ 435.