لقد تحدث كثير من العلماء ـ قدماء ومحدثين ـ عن الظاهرة التاريخية للنحو الأندلسي، ومتى بدأ التأليف الحقيقي لدى نحاتهم، فقد تحدث الزبيدي عن بعض طبقات النحاة الأندلسيين، وجعل بداية حركة التأليف في النحو، مع بداية القرن الثاني الهجري [1] ، ويبدو أنّ هذا النشاط كان محدودا، حيث يصور أحمد أمين الحركة النحوية في الأندلس بقوله: (أمّا النحو فقد بدأ في الأندلس كما بدأ في المشرق، عبارة عن قطعة مختارة، فيها لفظ غريب يُشرح، ومشكلة نحوية تُوضّح، على النحو الذي تراه في أمالي القالي، والكامل للمبرد، ثم ألّفوا نحوا في مسائل جزئية، كما فعل القالي نفسه في فعلت وأفعلت، والمقصور والممدود، وكما فعل ابن القوطية في كتاب الأفعال، فلما انتقل إلى الأندلس كتاب الكسائي وسيبويه، ألّف الأندلسيون في النحو، من حيث هو كل يشمل جميع الأبواب) [2] .
ويبدو أنّ أحمد أمين قد وقع في التباس تاريخي، حيث ذكر أنّ القالي وابن القوطية ألفا كتبا نحوية محصورة، نحو فعلت وأفعلت، ثم ذكر أنّ التأليف الكلي بدأ بعد ظهور كتاب الكسائي وسيبويه، ونحن نعلم أنّ كتاب الكسائي دخل إلى الأندلس، قبل نهاية القرن الثاني الهجري، وأنّ كتب القالي (ت:356 هـ) ، وكتاب ابن القوطية (ت:367 هـ) قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، والحقيقة أنّ أحمد أمين قد فصل بين ظاهرتين: الظاهرة الأولى دخول كتاب الكسائي، والظاهرة الثانية نشأة النشاط التأليفي، حيث قرن النشاط النحوي بعد كتاب الكسائي بالقالي وابن القوطية، وفي هذا التباس تاريخي، لأنّ كتاب الكسائي دخل الأندلس في القرن الثاني الهجري، ونشاط التأليف بدأ فعلا في أواخر القرن الثاني الهجري، ثم نما في القرون التي تلت، وبخاصة عند القالي، ويمكن أنْ نطلق على هذه المرحلة، التي تمتد من الفتح الإسلامي؛ وحتى القرن الخامس الهجري، رحلة الجمع والتكوين، أمَّا في القرنين السادس والسابع الهجريين فإنّ النحو وصل إلى عصره الذهبي، وبعد ذلك تلت مرحلة التفرق والتشتت.
لقد بدأت الظاهرة التاريخية للنحو الأندلسي في أواخر القرن الثاني الهجري، ثم نمت نموا مطردا؛ حتى وصلت إلى قمة المجد عند نحاة القرنين السادس والسابع الهجريين، ويغلب على الظن أنّ الدرس النحوي في الأندلس، بدأ بجودي بن عثمان العبسي (ت:198 هـ) ، الذي كان يؤدب أولاد الخلفاء بالعربية، وقد رحل إلى المشرق، وأخذ عن الكسائي (ت: 189 هـ) والفراء (ت: 207 هـ) ، وأدخل كتاب الكسائي إلى الأندلس، وكانت بغداد غاية مطافه
(1) طبقات الزبيدي، ص 256.
(2) أحمد أمين، ظهر الإسلام 3/ 91