، ثم عاد إلى الأندلس، وهو يحمل كتاب الكسائي، وأقام في قرطبة، وتصدر حلقة للإملاء والتدريس، ولا بد أنه كان ينحو منحاة الكوفيين؛ لأنه تلمذ لأعلامهم، أمَّا كتاب الكسائي، الذي أدخله إلى الأندلس، فلعله كتاب المعاني، الذي تُشير إليه كتب الطبقات، وعلى هذا يكون جودي بن عثمان الدارس الأول للنحو الكوفي في هذه البلاد، ويكون الدرس النحوي، الذي عرفته الأندلس أول مرة، هو النحو الكوفي، وأخذ جودي يملّ على تلاميذه نحو الكوفيين، ويُضيف في النحو على طريقتهم؛ حتى وافته المنية، وكان أخذ عنه جماعة، مما أدّى إلى تنشيط المذهب الكوفي في الأندلس، من ذلك يتبين لنا أنّ نحو الكوفة كان له أثر بيِّن في نحو الأندلس طوال القرون الأربعة الأُوَل، فنجد أبا الحسن مفرج بن مالك النحوي، الملقب بالبغل، المتوفى بعد المئتين شارحا لكتاب الكسائي [1] ، في القرن الثاني الهجري، وهو القرن الذي دخل فيه النحو إلى الأندلس، كما نجد عبد الله بن سليمان، الملقب بدريود [2] (ت:325 هـ) ، وأحمد بن أبان بن سيّد اللغوي [3] (ت:382 هـ) شارحين له في القرن الرابع الهجري، ثم نجد الجرفي يشرحه [4] ، وهو من رجال القرن الخامس الهجري.
نستنتج من كل ذلك، أنّ نحو الكوفة، بقي له تأييد بين النحاة في الأندلس؛ حتى بعد ظهور النحو البصري، والاتجاه البغدادي، وأمَّا النحو البصري، فيبدو أنّ الأندلس تأخرت في عنايتها به، وأنها صبّت عنايتها أولا على النحو الكوفي، مقتدية بنحويها الأول جودي بن عثمان (ت:198 هـ) ، وبقي الحال كذلك؛ حتى أواخر القرن الثالث الهجري، عندما جاء محمد بن موسى المعروف بالأفشين (ت:307 هـ) ، الذي رحل إلى المشرق، ولقي بمصر أبا جعفر الدينوري (ت:322 هـ) ، وانتسخ كتاب سيبويه من نسخته [5] ، وأخذه عنه رواية، وهذا لا يعني أنّ كتاب الكسائي كان له السبق في الوصول إلى الأندلس، أمَّا أنه كان له السبق في الشهرة، فهذا صحيح، أمَّا أنْ يكون أول كتاب مشرقي في النحو يصل إلى الأندلس، كما يقول مهدي المخزومي [6] ، وأمين السيّد [7] ، فليس هذا صحيحا، فلقد ثبت وجود كتاب سيبويه في الأندلس في أواخر المئة الثانية للهجرة، حيث كان أبو عبد الله حمدون بن إسماعيل النحوي، المعروف بالنعجة، المتوفى في أوائل القرن الثالث الهجري يحفظه [8] ، دون أنْ يخرج من الأندلس.
(1) طبقات الزبيدي، ص 273.
(2) السيوطي، بغية الوعاة 2/ 44.
(3) القفطي، إنباه الرواة على أنباه النحاة 1/ 65 ــ 66.
(4) إنباه الرواة على أنباه النحاة 1/ 317.
(5) طبقات الزبيدي، ص 282.
(6) مهدي المخزومي، الدرس النحوي في بغداد، ص 171.
(7) أميم السيد، الاتجاهات النحوية في الأندلس، ص 112.
(8) طبقات الزبيدي، ص 235.