التعليل والاحتجاج، حيث استطاعت أنْ تستحوذ على عقله، فاستحال النحو والصرف على يديه إلى دراسة تعليلية، بدل الدراسة الموضوعية الوصفية، وغزت المصطلحات المنطقية والفلسفية مباحثه؛ حتى تحوّلت موضوعاته إلى ما يُشبه القضايا التجريدية، فاختفت المادة الأصلية في غمرة هذه التعليلات، وتلك الاحتجاجات والخلافات.
ـ إنّ أهم مصادر الدراسة النحوية في الأندلس كانت بصرية، وليس هناك مذهب واضح يمكن أنْ نطلق عليه اسم المذهب الأندلسي، وأنّ المذاهب النحوية في تاريخ العربية ثلاثة [1] : المذهب البصري، والمذهب الكوفي، ومذهب مَن مزجوا بين المذهبين، وهو المذهب، الذي عُرِف باسم المذهب البغدادي؛ جريا على العادة والتسليم بتسمية المذاهب بأسماء الأماكن، التي اشتُهِرتْ فيها، وأنّ ما أُطلق عليه المذهب الأندلسي، هو في حقيقته مذهب أهل بغداد، لأنّ أصحابه مزجوا بين المذهب البصري، والمذهب الكوفي.
ـ كان ابن عصفور متأثّرا بآراء البصريين إلى حد كبير؛ مُتعصبا لسيبويه، ويُعتبر سيبويه أشهر نحوي تأثّر به ابن عصفور، والذي يقرأ مصنفات ابن عصفور، يُدرك مدى تأثّره بآراء سيبويه، لذلك جاءت كتبه مملوءة بالنقل عنه، وأكثر ما كان ذلك في دراسة الأصوات اللغوية، وفي نادر من المواقف كان ابن عصفور يُخفي هذا التأثّر، بأنْ يُطوِّع رأي سيبويه لرأيه، فيعيد ترتيبه وتنظيمه من أجل تقعيد القاعدة، لذا فإنّ ابن عصفور نحوي على مذهب البصريين، فقد كانت مصادر دراسته النحوية، المتمثلة في أساتذته، وأصوله المنهجية، التي يثبت عليها، ومصطلحاته النحوية، والآراء التي أخذ بها، كانت بصرية بوجه عام، على الرغم من وقوفه موقفا وسطا في الاحتجاج بالقراءات القرآنية، والأحاديث النبوية، وهذا لا يسير به في اتجاه المدرسة الكوفية، كما أنّ اختياره لبعض الآراء والمصطلحات الكوفية، لا يُعطي مبررا في احتسابه في عِداد الكوفيين، فأسلوب عرضه وتناوله للمسائل النحوية، وتعليلاته، وتأويلاته، وتخريجاته، وتوجيهاته لها، تنمّ عن عالِم بصري بارع متمكن، وقد أقرّ ابن عصفور نفسه ببصريته، وقد أثبتنا ذلك في موضعه.
ـ لقد برع ابن عصفور في النحو والصرف، ومع إمامته فيهما، إلاّ أنه في النحو كان أمثل منه في الصرف.
ـ لقد اعتمد ابن عصفور على أصول مختلفة، ومصادر كثيرة، وإذا شاء أنْ يكون حذرا مثبتا، فإنه لا يذكر إلاّ أسماء النحاة الكبار من المتقدمين، أمثال: الخليل، وسيبويه، والأخفش
(1) لقد ظهر لنا في مرحلة إعدادنا لأطروحة الدكتوراه (الفئة الأولى) أنه ليس هناك إلاّ مذهبان: البصري والكوفي، أما ما يطلق عليه اسم المذهب البغدادي، فما هو إلاّ اتجاه تفرع عن المذهب البصري، ولا يجوز أنْ يُطلق عليه اسم مذهب.