فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 369

من بين هؤلاء الطلبة، فأصبحوا هيئة إدارية رسمية ثالثة، تُعاون الحكام على إدارة النواحي، وتراقبهم في أعمالهم، ووضع نظاما ثابتا يتبعه كل مَن يريد أنْ ينضم إلى الحركة، ويصبح في جملة الموحدين، وهذا النظام شبيه بالامتحان، ويُسمى بالتمييز، وكل مَن ميَّز، وثبت توحيده، عُدّ موحدا، وسُجِّل في سجل خاص في العاصمة والنواحي، وأُجريت عليهم الأرزاق، وفُرضت عليهم الواجبات، وكانوا عمد الدولة ودعاتها [1] .

إنّ النظام الذي وضعه ابن تومرت، يُشبه إلى حد ما الحزب الواحد، يكون أفراده على اختلاف منزلتهم في الحزب هذا طبقة مسيطرة، لأفرادها مصالح مركزة؛ مرتبطة ارتباطا وثيقا بكيان الدولة السياسي، وسلامة مصالحهم بسلام ذلك الكيان.

أمَّا الفئة الثانية، التي لا تدخل ضمن إطار هذا الحزب، فهي الطبقة المحكومة، التي كانت متوسطة الحال، أو فقيرة في الغالب، وكان أثرها في الحياة الاجتماعية باهت اللون.

لقد كان هذا الانقسام الطبقي أكثر وضوحا في عصر الموحدين من انقسام المجتمع إلى فئات عرقية، وقد أشار المراكشي إلى ذلك، عند ذكره لأسماء قبائل الموحدين [2] .

فإذا نظرنا إلى التركيب الاجتماعي للمجتمع الأندلسي، فسوف لا تُخطئ أعيننا كم من الأجناس احتوى، إلاّ أنّ العناصر الأساسية للمجتمع الإسباني بصورة عامة، والمجتمع الأندلسي بصورة خاصة في ذلك العصر، لم يجر تثمينها تاريخيا حتى الآن، وما ها إلاّ لأنّ التاريخ يُدرَس على أساس خارجي اصطناعي، مفروض على التاريخ الحقيقي.

لا شكّ أنّ المسلمين عند دخولهم الأندلس وجدوها معمورة بجماعات من النصارى، الذين ينتمي بعضهم إلى العناصر الأيبرية، التي هاجرت إليها من المغرب منذ القدم، وأعطتها اسمها (أيبيريا) ، وبعضها ينتمي إلى العناصر الكلتية، كذلك كان فيها جماعات يهودية، وقد أُطلق على اليهود والنصارى اسم أهل الذمة، والمصادر العربية التي لدينا عن هذه الجماعات قليلة، بل هي أقل ما نملكه من المصادر عن هذه العناصر، وقد بدأ منذ خمسين عاما اهتمام المؤرخين بعناصر النصارى، الذين كانوا يقطنون الأندلس، وأخذ يسند إليها دورا مهما لعبته في الحياة الاجتماعية [3] ، ولكن بعض هذه الأبحاث لا يخلو من التحزب، ولاسيما عندما يُسند لهذه العناصر مكانة تفوق المكانة التي كانت عليها، والدور الذي أُسند إليها، ومهما يكن من أمر، فإنّ عدد أهل الذمة كان كبيرا.

(1) انظر في ذلك: ابن القطان، نظم الجمان 6/ 28، وابن الخطيب، رقم الحلل، ص 57، والحلل الموشية، لمجهول، ص 87 ــ 89، والناصري السلاوي، الاستقصا 2/ 86

(2) المعجب، ص 106.

(3) انظر: جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، ص 40 ــ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت