وقد عُرف النصارى في الأندلس باسم المستعربين، وهم من الكاثوليك [1] ، ويُطلق عليهم عجم الأندلس، أو عجم الذمة، فمن أسلم منهم أُطلق عليهم المسالمة، أو الأسالمة، وأمَّا مَن بقوا على دينهم، فهم ذمة أو مُعاهدة، أو المعاهدون، أي مَن لهم عهد عند المسلمين، ومع الزمن أخذ عدد الذمة يتناقص.
أمَّا اليهود فهم من الفئات التي رحبت بالفاتحين، وتعاونت معهم، لِما كانت عليه من الاضطهاد أيام القوط، وقد ظلوا يتمتعون بمركز طيّب أيام الحكم الأموي؛ حتى أنّ بعضهم بلغ درجة الوزارة، وعمل كثير منهم أطباء في بلاط الأمراء.
لقد كان موقف اليهود في الأندلس يتفاوت من عصر إلى عصر، ومن حاكم إلى حاكم، وفي عصر الموحدين كان عبد المؤمن بن علي صارما في سياسته تجاه غير المسلمين، وقد بلغ التعصب ضد اليهود أنْ خُيِّروا بين الإسلام أو الهجرة، وإلاّ فالموت مصيرهم [2] ، وهو خيار صعب، لا يدل على التسامح الإسلامي، الذي ألفناه طوال القرون السابقة لعهد عبد المؤمن، ولكن هذه السياسة جنحت بعده إلى نوع من الاعتدال، فتُرِك اليهود أحرارا يعيشون في البلاد [3] ، لكنها حرية ضمن توافر القناعة بإسلامهم، وليس تسامحا في أداء شعائرهم، أو إظهار ديانتهم، بيد أنّ أهل الذمة الذين أعلنوا إسلامهم، وبخاصة اليهود، لم يكونوا مخلصين في إسلامهم [4] ، فهم لم يكفوا عن أذى المسلمين، والتجسس عليهم، ولذلك عمل المنصور على تمييز اليهود، على الرغم من إسلامهم، بأنْ جعلهم يرتدون زيا خاصا بهم، وكان ذلك الزي على أبشع صورة، وقد توسل اليهود إلى الخليفة الناصر في أيامه؛ لتغيير ذلك الزي، فأبدلهم إياه بثياب صفر، وعمائم صفر [5] .
لقد كان اليهود في الأندلس يمتهنون تجارة الرقيق، وبيع أدوات الزينة، وكانوا أغنى ثروة، وأعلى ثقافة من النصارى، وأمَّا الجوانب الأخرى فلم يحسن حالهم فيها، ولم يحالفهم الحظ، أو تسنح لهم الفرصة للتقدم والرقي كالنصارى.
لقد كان أهل الذمة يشكلون فئة ليست بالقليلة في الدولة الموحدية، وكان الخلفاء الموحدون صارمين في التعامل معهم، فلم تنعقد لهم عندهم ذمة [6] ، وجاء الفاتحون من العرب والمغاربة (البربر) ، فأضافوا عناصر جديدة إلى العناصر القديمة.
(1) أحمد أمين، ظهر الإسلام 3/ 2.
(2) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة 5/ 281.
(3) محمد عبد الله عنان، عصر المرابطين والموحدين 2/ 235.
(4) ابن صاحب الصلاة، تاريخ المن بالإمامة 2/ 187.
(5) المعجب، ص 208 ــ 209.
(6) المعجب، ص 209.