والذي لا يُوفّق في العِلم من أهل الأندلس، لا يلبث أنْ يجهد نفسه للبحث عن صناعة يتقنها، ويتخذ منها سبيلا للكسب، فقد كان الأندلسي لا يطيق أنْ يكون عالة على الناس، ومن هنا فقد اختفت ظاهرة التسول فيه [1] .
وإذا حاولنا أنْ نقترب أكثر وأكثر من شعب الأندلس؛ لنعرف شيئا من أحوال معيشته الخاصة، وجدناه شعبا شديد العناية بالنظافة، وفي ذلك يقول المقري:
(وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك، مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائما، ويبتاع صابونا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها) [2] .
وفيما يتعلق بالمرأة، ومنزلتها الاجتماعية، فإنّ كثرة الأديبات [3] في ذلك العصر، ومشاركتهن في الحركة الأدبية العامة، يصحّ أنْ يُتخذ دليلا على رقي منزلتها الاجتماعية.
ويبدو أنّ فترة الرخاء الاجتماعي، التي عاشها الشعب في المغرب والأندلس، كانت مقصورة على عهد الخلفاء الأُوَل، فبعد وفاة الناصر، تولّى على دست الحكم عدد من الخلفاء، الذين انشغلوا بالصراع على السلطة، وأهملوا شئون الرعية، فاشتد الخوف، وعمّ البلاء، وكثر اعتداء الأقوياء على الضعفاء، وكسدت سوق التجارة، وغلت الأقوات، وارتفعت الأسعار، وطافت بالأندلس والعدوة شدة عنيفة [4] ، وشاعت ظاهرة الجلاء [5] عن الأندلس، إلى المغرب وتونس، حيث اعتنى الحفصيون بالمهاجرين الجدد إلى تونس، فأسكنوهم، ووسعوا عليهم في أرزاقهم، كما حدث ذلك مع أستاذنا ابن عصفور.
(1) مصطفى الشكعة، الأدب الأندلسي، ص 73.
(2) نفح الطيب 1/ 223.
(3) الأدب الأندلسي في عصر الموحدين، ص 32 ــ 33.
(4) ابن أبي زرع، الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية، ص 35 ــ 36.
(5) الحلة السيراء 2/ 303، والمن بالإمامة 2/ 205.