فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 369

وفي أيام ضعف السلطان الموحدي، اضطربت شئون البلاد، وعمتها الفوضى، وتكاثرت الأزمات، فتفاقمت الأزمة الاقتصادية في الأندلس، واشتدت الحال، وتناهى الغلاء، واختلت أحوال الخلافة الموحدية، واضطرب الأمن، وقُطعت السابلة، ووقع النهب على التجار [1] ، وشاع في هذه الأثناء جو من الفوضى، وضياع القيم والمُثُل، وتحكّم بالأمر شذاذ الآفاق، وبعض السفلة [2] ، وتدهورت أمور الناس وأحوالهم، فذلّ الرفيع، وارتفع الوضيع، ولا يخفى ما تخلفه تلك الهزات الاقتصادية، والتدهور السياسي، واختلال الأمر والنظام في البلاد من أصداء بعيدة الأثر في نفوس أبناء الشعب، هذا فضلا عن المجاعات الرهيبة، الناتجة عن القحط أو الحصار، أثناء الحروب المصحوبة في بعض المرات بالأوبئة القاتلة [3] .

كل ذلك ولّد حالة قلق لدى الفرد الأندلسي، وشعورا بالتهديد والاضطهاد الدائمين، فازدادت الهجرة إلى المشرق، وبرزت بشكل واضح في أواخر أيام الموحدين.

وعلى العموم فإنّ مجتمع الأندلس مُجتمع مُستنبَت، وليس مجتمعا أصيلا، ذا أعماق تشده، وتقاليد تحد من غربه، إذا ما انفلت جماحه، وحادت عن الجادة أسبابه، ولذلك فقد كانت صور التطرف، فيما يتصل بالأحاسيس الوجدانية الغنائية واضحة، كما تطرف الأندلسيون في زهدهم، كردة فعل شديدة، ضد عدد من أبنائها، ويبدو أنّ عدد الزهاد في الأندلس كان من الكثرة بمكان؛ حتى أنّ ابن بشكوال ـ فيما يرى ابن الأبار ـ قد صنف كتابا بعنوان: زهاد الأندلس وأئمتها [4] ، فلا غرو أنْ نشأت في الأندلس مدرسة التصوف الكبرى في الإسلام، وعلى رأسها محيى الدين بن عربي.

فإذا نظرنا إلى المجتمع الأندلسي من ناحية جمهرته، وليس من ناحية قطاعات معينة منه، وجدنا له ميزات باهرة، وصفات طيبة، تميزه عن كثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى، ما بين عِلْم، ودِيْن، وثقافة، وعمل، ونظافة، وأناقة، وترتيب في أحوال المعيشة، وحبّ العدل، وإنكار الفوضى، وإجلال العلماء، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة، التي إذا ما توافرت في شعب من الشعوب، وضعته في مرتبة سامية، ودفعت به إلى مدارج التقدم والازدهار.

(1) الأنيس المطرب، ص 273 ــ 274.

(2) ابن سعيد، القدح المُعَلَّى، ص 143.

(3) ابن عبد الملك، الذيل والتكملة 5/ 645، وانظر: ابن عذاري، البيان المغرب 4/ 31، 45، ونفح الطيب 4/ 379.

(4) ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، ص 718.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت