فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 369

سوق القيان [1] ، وقد سبق أنْ ذكرنا إعجاب الرحالة المسلم ابن جُبير بتديّن الموحدين، بما يُغني عن التكرار.

وحرصت الدولة على حقوق المواطنين فلم تكن تبخسهم أشياءهم [2] ، فانتشر الهدوء والاستقرار في الأندلس، إبان ذروة السلطان الموحدي، حيث أخذت الصناعة، والزراعة، والتجارة بالازدهار في جميع أنحاء الدولة، وغمرت الشعب موجة من الرخاء، فشجع هذا التقدم المادي على التقدم العلمي والحضاري، فبدأت تقام في المدن المختلفة القصور الأنيقة، والمنازه العامة، وأخذ الأغنياء يقيمون المنازه الخاصة لخلواتهم وملذاتهم، وسما الذوق الاجتماعي، وشاع الترف؛ حتى في المأكل، فتنوعت ألوان الطعام، وتفننوا في صنعه أيما تفنن، ونستطيع أنْ نكوِّن فكرة عامة عن اهتمامهم بالطبخ، وتفننهم فيه، بإلقاء نظرة سريعة على المخطوط الذي نشره (أمبروسيو هويثي ميرانده) ، مع بحث عنونه: المطبخ الإسباني المغربي خلال العصر الموحدي [3] .

لقد أحصى صاحب المخطوط، الذي حققه (ميرانده) ، أكثر من خمسمئة لون من ألوان الطعام والشراب والحلوى والمربى، وما إلى ذلك، مما كان يُعمل للخلفاء الموحدين، والأمراء منهم، ورجال دولتهم على العموم، ومنها ما يُعرف بصفته، وكثير من هذه الأسماء ما يزال مستعملا عندنا إلى الآن، والمهم أنّ من هذه الأطعمة ما ينسبه بعض الناس إلى الأتراك [4] ، ويعتقدون أنه مما أُخذ عنهم، فظهر بعد الوقوف على هذا الكتاب أنه كان موجودا قبل ظهور أمر الأتراك.

وكانت تجري في المنازه الخاصة ألوان من الخلاعة والمجون [5] ، وقد اشتُهرت أشبيلية بأدوات الطرب، وما فيها من الشعراء الوشاحين، والزجالين؛ حتى أنّ الشقندي [6] في رسالته ذكر ما سمعه فيها من أصناف أدوات الطرب، فعدد أكثر من اثنتي عشر آلة مختلفة [7] .

(1) البيان المغرب 3/ 145.

(2) ابن صاحب الصلاة، تاريخ المن بالإمامة 2/ 185 ــ 186.

(3) مجلة معهد الدراسات الإسلامية ـ مدريد، م 5، ص 137 ــ 155.

(4) انظر: عبد الله كنون، مقال في مجلة مجمع اللغة العربية ـ القاهرة، بعنوان: أثر المغرب في العِلم واللغة، ص 24.

(5) حكمت الأوسي، الأدب الأندلسي في عصر الموحدين، ص 30 ــ 31.

(6) هو القاضي إسماعيل بن محمد الشقندي (أبو الوليد) من أدباء الأندلس، وشقندة المنسوب إليها قرية بعدوة نهر قرطبة قبالة قصرها، عاش بالأندلس، وولي قضاء بعض المدن فيها، له رسالة في (فضل الأندلس) وصف بها أشهر مدنها، نشرت مترجمة إلى الاسبانية، منها مخطوطة في الأحمدية، بتونس (المجموع 4551) في (19) ورقة.

(7) نفح الطيب 3/ 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت