فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 369

الاحتكاك بالحضارة الأندلسية، وقد استخدم بعض الخلفاء هؤلاء الصقالبة؛ لتقليم أظافر الأرستقراطية العربية [1] .

وهكذا نجد أنّ إسبانيا الإسلامية كانت مزدحمة بالأجناس المختلفة، فكان من الطبيعي أنْ تتصل هذه العناصر مع بعضها بعضتا، سواء بالمصاهرة، أو الجوار، أو الحرب، فتؤثِّر، أو تتأثَّر، مما كان له أثر في مزج هذه العقليات المختلفة، والعناصر المتباينة، في بوتقة الأندلس، لتكوِّن المجتمع الإسباني العربي، الذي لا نستطيع أنْ نُطلق عليه إحدى هاتين التسميتين فقط.

لقد كان المجتمع الإسباني مزيجا متباينا من عناصر تختلف في العِرْق وفي الدين، وفي الأهواء والغايات، ولقد أدّى هذا المزيج إلى أنْ تتصف الدولة بصبغة خاصة، تميزها عن باقي الدول الإسلامية، فقد اعتاد الأندلسيون ألاّ يحكُموا أنفسهم بأنفسهم، وألاّ يعتمدوا على أنفسهم في النظام وتدبير الشئون، وإنما اعتادوا على رجل قوي حازم، يحكمهم ويقودهم، ولذلك نرى أنّ الأمور تستقيم ما دام على رأس الدولة رجل صارم، فإذا زال، كان الاضطراب والفوضى، لأنّ سكانها ذوو عناصر مختلفة، فهؤلاء العرب بقبائلهم، وهؤلاء الإسبان والصقالبة كذلك، فما لم يُثبت السلطان كفاية عالية في الضغط على هذه العناصر المتباينة، أخرجت هذه الشعوب كلها أنيابها للفتنة، هذا فضلا عن الاختلاف في الدين، بين نصراني كاثوليكي في الشمال، ومسلم في الجنوب، ويهودي يُذكي نار الفتنة بين أصحاب الديانتين الإسلامية والنصرانية، ولهذا كان تاريخ الأندلس حوادث متعاقبة، تختلف في النظام والفوضى، ولهذا كان شاغل الحكام الأول، هو أنْ يُحققوا ـ ضمن هذا المزيج ـ وحدة تستند إلى القوة، وقد استطاع الموحدون في بداية حكمهم تحقيق هذه الوحدة، وعندما أخذ سلطان الموحدين السياسي يضعف، أخذت الرغبات الكامنة في قلوب هذه العناصر المتباينة تُطل برؤوسها، وأخذ البناء المتين يتأرجح؛ حتى توالت الفتن، فكان هذا الاختلال الجنسي، الديني، العنصري، من أعظم الأسباب التي قوّضت حكم المسلمين في الأندلس.

لقد عملت دولة الموحدين على بناء مجتمع مسلم، خال من العوائد الاجتماعية الفاسدة، فقد تشدد خلفاؤهم في محاربة الفساد الاجتماعي [2] ، فكانت لممارسات الموحدين تلك آثار واضحة في الحياة الاجتماعية، فقد انحسرت إلى حين أسباب اللهو ونواديه، وبارت

(1) جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، ص 38 ــ 39.

(2) نظم الجمان 6/ 150 ــ 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت