فقد وجدت الثقافة لنفسها متنفسا في مكان آخر من العالم الإسلامي المترامي الأطراف، فبرزت في تلك الحقبة إلى الوجود بلاد الأندلس، فأمدت دنيا الإسلام بدفقة قوية من رجال العلم والمعرفة، وامتد تأثير الثقافة الأندلسية إلى بلاد المشرق، عبر الشمال الأفريقي، ولا يمكن أنْ نغفل بحال من الأحوال تأثير الثقافة الأندلسية على أهل أوروبا، فقد كانت الأندلس حلقة الاتصال بين أوروبا والعالم الإسلامي، فكان لها أثر محمود في النهضة الأوروبية.
إنّ الحياة الثقافية في عصر الموحدين بحاجة إلى دراسة جامعة شاملة، تحدد خصائصها ومميزاتها، وتُبيّن حالتها الخلاقة، وسنحاول هنا أنْ نُبين الخطوط العامة للظروف الثقافية، التي كانت تسيطر على هذا العصر.
لقد استمرت الحركة الثقافية في الأندلس وشمال أفريقية، في عهد الموحدين في النمو والازدهار في كل ميدان، وظهر العلماء في كل فن، فشهدت الدولة الموحدية حركة ثقافية نشطة، وقد ساعد على ذلك طبيعة دعوة الموحدين، فقد أختلف موقف السلطة من النشاطات الثقافية، فأعطيت الحرية لكل صوت يخدم الإنسان والدين، ولكل إفراز ذهني، بشتى ألوانه وأشكاله، سوى ما يخالف مبادئ التوحيد أو يعارضها، وهذا الجو الفكري من الحرية والانطلاق، يعود أساسا إلى ثقافة القادة، وتنورهم بشتى العلوم والآداب، ومنها الفلسفة وعلم الكلام، فقد أوجد الموحدون المدارس والمعاهد العلمية، التي يتلقى الطلبة فيها مختلف العلوم والمعارف، الشائعة في ذلك العصر، وفيها يجد الطالب كل ما يحتاجه من كتب ومراجع، ولا تخلو هذه المعاهد من برامج معدة مسبقا، ومن امتحانات دورية، شبيهة بأنظمة مدارسنا الحالية [1] .
لقد أبدى ابن تومرت حماسا واضحا للعلم [2] ، وكان الاتجاه السياسي العام للحكم الموحدي، إلى جانب تشجيع الثقافة، وهو اتجاه مغاير لِما كان عليه المرابطون، فقد كان أمراء الموحدين أنفسهم علماء، محبين للعلم وأهله، فهذا ابن تومرت ارتحل إلى المشرق؛ طلبا للعلم، فعاد بحرا متفجرا من العلم، وشهابا واريا من الدين [3] ، وقد جلس ابن تومرت للتدريس في تونس، فتحلق حوله الفقهاء يأخذون عنه [4] ، ولم يكن خلفاؤه أقل تشجيعا للعلم وأهله منه، فعبد المؤمن بدأ حياته طالب علم طموح، أراد الرحلة إلى المشرق، فثنى ابن تومرت من
(1) المعجب، ص 296، وانظر: ليفي بروفنسال، أدب الأندلس وتاريخها، ص 17.
(2) ابن تومرت، أعز ما يُطلب، ص 29 ــ 30.
(3) البيذق، أخبار المهدي بن تومرت، ص 50.
(4) أخبار المهدي بن تومرت، ص 11.