فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 369

عزمه [1] ، ولكنه ظل مُؤثرا للعلم وأهله، محسنا إليهم، يستدعيهم من البلاد، ويُجري عليهم الأرزاق، وكان يعقد لهم ندوات علمية أسبوعية في قصره [2] ، كذلك كان الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، أحسن الناس ألفاظا بالقرآن، وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو، وأحفظهم للغة العربية [3] ، ولم يزل يوسف هذا يجمع الكتب من أقطار المغرب والأندلس، ويبحث عن أهل النظر من العلماء، إلى أنْ اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك من ملوك المغرب قبله [4] ، وكان الخليفة المنصور من حُفَّاظ الحديث، مُحبا للعلماء والأدباء، محسنا إليهم، مقربا لهم، وكان محبا للفلسفة، فبعد اضطهاده للفيلسوف ابن رشد، عاد واستدعاه واستخلصه [5] .

والحق أنّ فضل الموحدين على المعارف كان عظيما، فقد حافظوا على ما اختاروه منها إلى حدّ كبير، وشجعوها، كما شجعوا كثيرا من العلوم، التي لم تكن رائجة، أو كان محظورا رواجها في العهد المرابطي، وطبعوا كل ذلك بطابعهم الخاص.

لقد ظهرت في ذلك العصر ثلاث فعاليات حضارية، في غاية الأهمية، ولا ينبغي لمثقف أنْ يتجاهلها، هي: الفلسفة، وفن العمارة، والنحو.

فابن رشد يُمثل النشاط الفلسفي خير تمثيل، فقد تجددت الفلسفة على يديه كليا.

وفي العمارة تمثل (الخيرالدا) [6] سمات العصر الموحدي الخاصة، فقد كسرت طوق التقليد بصلابة بنائها، ومتانة زخارفها، وتشابكها.

وفي النحو يمثل ابن مضاء القرطبي روح الموحدين الثورية المجددة، وتظهر هذه الروح في كتابه الرد على النحاة، الذي رفض فيه نظرية العامل، وكل ما يؤدي إلى ما لا يفيد نطقا، وإنْ كان هناك مَن سبقه في نقد الأسس الفكرية لمنهج النحاة المشرقيين.

(1) أخبار المهدي بن تومرت، ص 161. وانظر: المعجب، ص 48 ــ 49.

(2) المعجب، ص 269، ونظم الجمان 6/ 53.

(3) المعجب، ص 121.

(4) المعجب، ص 241.

(5) المعجب، ص 211.

(6) الخيرالدة: برج قائم الآن في أشبيلية، بني في عام 1184 م بأمر من الملك أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي خليفة الموحدين. وهو من أهم معالم أشبيلية. كان في السابق مئذنة في المسجد الكبير من عهد الموحدين، إلا أنه اليوم أصبح برجا للأجراس التي أسسها الأسبان بعد نهاية حكم العرب لأشبيلية، ارتفاع البرج (97,5) مترا، وكان عند بنائه أعلى برج في العالم. وبشكله الحالي يظهر في بناء البرج تأثير الحضارات المختلفة، بدءا من الحضارة الإسلامية. تم إدراج البرج ضمن مواقع التراث العالمية في سنة 1928 م. تم ترميم المئذنة في عام 1984 والاحتفال بمرور 800 سنة على بنائها بتعاون بين المملكة الأسبانية والمملكة المغربية، ووضعت في مدخلها لوحتين تذكاريتين باللغتين الأسبانية والعربية. بنيت الخيرالدة دون أدراج ولكن بمنحدرات يبلغ عددها 35 يمكن من خلالها الصعود إلى البرج. وهذه المنحدرات عريضة بشكل كان يستطيع المؤذن أن يصعد إلى أعلى البرج وهو راكب على حصانه للنداء إلى الصلاة. يطلق على التمثال اسم جيرالدا) أي دوارة أو محددة اتجاه الريح).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت