فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 369

لقد شجعت الدولة الموحدية العِلم والعلماء، وأباحت للتفكير حريته، وحررته من القيود، وقد شجع هذا الجو العلمي العلماء والأدباء على الإنتاج والإبداع في كل ميدان، وكان لهذه الحركة الثقافية مظاهر متعددة أيام الموحدين، ومن هذه المظاهر:

ـ الرحلة في طلب العلم:

وهي نوعان: داخلية وخارجية، أمَّا الداخلية فكانت إلى المراكز الثقافية المنتشرة في أنحاء الدولة الموحدية، وأمَّا الخارجية فكانت في الغالب إلى المشرق، مما أدى إلى استمرار الاتصال الثقافي بين جناحي العالم الإسلامي، وإذا كان دخل الأندلس في العصور السابقة لعصر الموحدين عدد من المشارقة النابغين، الذين تركوا أثرا واضحا فيها، فإننا لا نجد الكثير من المشارقة، يدخلون الأندلس في القرنين السادس والسابع الهجريين، فإذا ألقينا نظرة على القسم الذي خصه المقري للداخلين إلى الأندلس [1] من المشارقة، لوجدنا فيه ستا وثمانين ترجمة، منهم حوالي خمسة عشر شخصا دخلوا الأندلس في الحقبة التي يتناولها هذا البحث، وليس منهم عالم مشهور، كما أنه لم يوجد بينهم عالم باللغة أو النحو، ويغلب الاشتغال بالحديث على معظمهم، ولعل لاضطراب الأحوال في الأندلس في تلك الحقبة أثر في ذلك.

أمَّا الرحلة إلى المشرق فقد بقيت رافدا مهما، يحرص عليه الأندلسيون للقاء العلماء، والاطلاع على الكتب الجديدة في مختلف فنون العلم، ومن ثم نقْلها إلى الأندلس، فقد عدّ المقري ثلاثمئة وسبع ترجمات للراحلين إلى المشرق، بينها حوالي مئة وثلاثون ترجمة تخص علماء القرنين السادس والسابع الهجريين، ومنهم حوالي خمسة عشر عالما من المشتغلين باللغة والنحو [2] .

وبدأت ظاهرة تزايد عدد الأندلسيين الذي هاجروا إلى المشرق، واستقروا فيه، تأخذ طابعا مميزا، وكأنّ الأندلسيين بهذا يردّون ما للشرق من دَيْن في أعناقهم، ويبدو أنّ اضطراب الأحوال السياسية في الأندلس كان وراء هجرة هؤلاء العلماء إلى المشرق.

ـ اقتناء الأصول القديمة والعناية بها:

لقد كان للشيخ أبي حفص عمر الهنتاني، المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين همة عالية في مطالعة الكتب واقتنائها وانتساخها؛ حتى اجتمعت له فيها خزانة عظيمة، عالية الفنون [3] ، كما تحصّل عند عدد كبير من علماء ذلك العصر من الأعلاق النفيسة، وأمَّات الدواوين العلمية، ما لم يتحصل لمن كان قبلهم، وقد كانت تلك الكتب المقتناة مشرقية في معظمها،

(1) نفح الطيب 3/ 5 ـ 149.

(2) نفح الطيب 23/ 5 ـ 704.

(3) المن بالإمامة 2/ 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت