وروى عن خلق كثير، منهم: الحافظ ابن الجد، وأبو عبد الله بن زرقون، وأبو بكر ابن حسين، وابن بشكوال، وأبو بكر بن زهر، وأبو جعفر بن مضاء، وغيرهم [1] .
وكان الشلوبين ذا معرفة بالقراءات، عالمًا بالأدب، أخذ بطرف صالح من رواية الحديث، متقدما في العربية، كبير أساتيذها في أشبيلية، تصدر تدريس العربية بعد الثمانين وخمسمئة نحو ستين عاما، وإليه كانت الرحلة فيها، واستفاد بسبب ذلك جاهًا عريضًا، ومالًا وفيرًا، وذكرًا شائعًا، ثم تخلّى عن ذلك في نحو الأربعين وستمئة، وكان آنق أهل عصره طريقة في الخط [2] ، وكان آخر أئمة العربية في المشرق والمغرب، ومن مصنفاته: القوانين، والتوطئة في النحو، والتعليق على كتاب سيبويه، وشرحان على الجزولية.
لازم ابن عصفور الشلوبين عشر سنين إلى أن ختم عليه كتاب سيبويه في نحو السبعين طالبًا [3] ، بذّهم ابن عصفور في الذكاء مع نبلهم، وكانوا من أصحابه، فعادوا من تلاميذه، وانتقل أكثرهم إلى القراءة عليه [4] ، وكانت الحلقة الشلوبينية تجمع ابن عصفور وابن الضائع والأبَّدي وابن الربيع وأصحابهم [5] ، غير أن ابن عصفور كان أجلهم [6] ، وذكر ابن مكتوم؛ رواية عن شيخه أبي حيّان، أنّ ابن عصفور لم يكمل ختم كتاب سيبويه على الشلوبين [7] ، ثم كانت بين ابن عصفور والشلوبين منافرة، أدّت إلى وحشة، وأفضت إلى مقاطعة، وتعكس لنا الحكاية التي رواها المقري [8] صورة لهذه المنافرة التي وقعت بين الأستاذ وتلميذه، فقد قُرئ البيت [9] ...:
حَيِّ الحمولَ بجانبِ العَزْلِ إذ لا يُلائمُ شكْلُها شَكْلي.
على أبي علي الشلوبين، فقيل له: ما العامل في هذا الظرف؟ يعني إذ، فقال للسائلين: إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل ـ يعني ابن عصفور ـ وكان أبو الحسن بن عصفور قد برع واستقلّ، وجلس للتدريس، وكان الشلوبين يغض منه، فلمّا خرج الطلاب، ودخلوا المسجد رأوا أنّ ابن عصفور قد دارت به حلقة كبيرة، وهو يتكلم بغرائب النحو، فلم يجسروا على سؤاله؛
(1) التكملة لكتاب الصلة، ص 658، وفيات الأعيان 3/ 451، المغرب في حلى المغرب 2/ 129، برنامج ابن أبي الربيع، ص 258، الديباج المذهب 2/ 78، بغية الوعاة 2/ 224 ــ 225.
(2) الذيل والتكملة 5/ 462
(3) فوات الوفيات 2/ 184
(4) ملء العيبة 6/ل 91
(5) خديجة الحديثي، أبو حيان النحوي ص 559
(6) عنوان الدراية ص 318
(7) تقريب المقرب ص 33، مقدمة المقرب 1/ 8
(8) نفح الطيب 2/ 209 - 210
(9) 9 من الكامل، لامرئ القيس، وقال الأصمعي: هو لابن أحمر، والحمول: الإبل عليها الهوادج، والعزل: موضع قال ياقوت في معجم البلدان (العزل) : ماء بين البصرة واليمامة، ويلائم: يوافق، والشكل: النحو والمذهب 0 شرح ديوان امرئ القيس لأبي جعفر النحاس، ص 80.