إنّ مسائل ابن عصفور لا تخلو من كتاب، وقد قدّم للعربية علمًا عقليًا لطيفًا، يشحذ الأذهان، ويثير الانتباه، ويوجه التفكير إلى السير في طريق الرياضة الذهنية، وقد سبقه سيبويه في ذلك، غير أنّ ما قدّمه ابن عصفور أوسع وأشمل.
لقد كان أبو الحسن إمامًا في علوم العربية في المغارب والمشارق، وهو حيث حلّ فعلمه نازل بالمحل الرفيع، ومقابل بالبر الفائق، كما قال بذلك تلميذه ابن سعيد [1] .
على أنّ منزلة ابن عصفور العلمية هذه، قد انتقصها بعض معاصريه، وبعض مَن جاءوا بعده، فابن مالك صاحب الألفية يطعن في علمه، وينسب إليه الجهل حينًا، وقصور الضبط والإتقان حينًا آخر، وابن الحاج يتهمه بأنه يسيء فهم كتاب سيبويه وتفسيره، وينصِّب من نفسه حارسًا على الكتاب المذكور، كان يقول [2] : (إذا متُّ يفعل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما شاء، فإنه لا يجد مَن يرد عليه) .
وأبو حيان الأندلسي لا يدّخر جهدًا في تعقّب ابن عصفور ونقده، والنيل من علمه، فينعى عليه تقليده للمتقدمين جهلًا، وجسارته في إصدار الأحكام، مع عدم حفظه لكتاب الله، وأشعار العرب [3] .
هذا فضلًا عن عدد من العلماء الذين تعقبوا ابن عصفور، ونسبوا إليه الأوهام والسقطات، ومنهم ابن الضائع الذي له ردود على ابن عصفور في معظم اختياراته [4] ، وحازم ابن محمد القرطاجني، الذي ردّ على ابن عصفور في كتاب أسماه شدّ الزيار على جحفلة الحمار [5] ، ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الجزري الخزرجي، الذي ردّ على ابن عصفور في كتاب المنهج المعرَّب في الرد على المقرّب [6] .
ومن النحاة الذين ردّوا عليه في أثناء مؤلفاتهم ابن مؤمن القابسي، وبهاء الدين ابن النحاس، وأحمد بن عبد النور المالقي [7] ، ثم قام أبو عبد الله محمد بن الأزرق الوادي آشي يحط من قدر ابن عصفور، ويزعم أنّ ابن الضائع قد كسف شمسه، وأخمد ذكره، حيث يقول [8] :
بَضائِعُكَ ابنَ الضَّائِعِ النَّدبَ قد أتتْ ... بِحظٍٍّ من التحقيقِ والعِلْمِ موفورِ
(1) القدح المعلى ص 96.
(2) القدح المعلى ص 96.
(3) أبو حيان الأندلسي، ارتشاف الضرب، ورقة 275 ب
(4) بغية الوعاة 2/ 204
(5) مقدمة المقرب 1/ 20
(6) بغية الوعاة 1/ 406
(7) ابن عصفور والتصريف ص 70
(8) من الطويل، نفح الطيب 2/ 701