وهذه الرواية نقلها عنه ابن شاكر الكتبي [1] ، والذهبي [2] ، وابن الوردي [3] ، والسيوطي [4] ، وابن العماد الحنبلي [5] ، ولم يوضح الناقلون لهذه الحكاية الغريبة مستندها، فلعلها تلفيق من بعض الخصوم، الذين لا يتورعون عن الكذب والإدعاء والاختلاق، فالصفدي يقول: إنّ ابن تيمية كان يدّعي ذلك، وكأني بالصفدي ينكر هذا الإدعاء على ابن تيمية، وهذا ظاهر من استعمال الصفدي للفظة (يدّعي) ، كما أن المترجمين لابن عصفور من الأندلس والمغاربة، لم يشيروا إلى هذه الحكاية أدنى إشارة.
أمّا عن تناول ابن عصفور للشراب، فهو غير مستبعد، لكنّ الأمر المستبعد أن يجلس عالم تجاوز السبعين، وفي مكانة كالتي كان عليها ابن عصفور في نفوس معاصريه، في مجلس شراب يتبذّل، حتى يُرجم بالنارنج، إلى أن يموت، ولولا أن هذه الرواية تروى عن ابن تيمية، وهو إمام كبير، لما كانت شيئًا مذكورًا، ولما استحقت كل هذه المناقشة.
لقد ذكر المؤرخون التونسيون سببًا آخر لوفاته، وهم أعرف بهذا من غيرهم، لوفاته في بلدهم، فقد ذكروا أنه دخل على السلطان محمد المستنصر الحفصي، الذي كان يرتب أعلامًا لمجالسته، وكان السلطان جالسًا في رياض أبي فهر في أريانة، في القبة التي كانت على الجابية الكبيرة، فقال السلطان على جهة الفخر: قد أصبح ملكنا الغداة عظيمًا، فقال ابن عصفور: بنا وبأمثالنا، فوجد منها السلطان وأسرّها، ولما قام ابن عصفور ليخرج، أوعز السلطان إلى بعض خواصه أن يقذفه بثيابه في الجابية، ففعل، وتثاقل الحاضرون على إخراجه من الجابية المذكورة، وأوصاهم السلطان بأن لا يتركوه يصعد، مظهرين اللعب معه، فكلما أراد الصعود ردّوه، وكان اليوم شديد البرد، وبعد صعوده أصابه برد وحُمّى، وبقي ثلاثة أيام إلى أن مات [6] .
إنّ ابن عصفور كان شيخ المستنصر ثم جليسه، ومع ذلك لم يستنكف عن تعريضه للموت غيلة وغدرا، ومن المحتمل أن يكون المستنصر هو الذي أذاع بين الناس قصة مجلس الشراب والنارنج، ليخفي وراءها مصرع ابن عصفور بمداعبته الوحشية، فلعل السلطان وأعوانه
(1) فوات الوفيات 2/ 185
(2) العبر 5/ 292
(3) تاريخ ابن الوردي 2/ 220
(4) بغية الوعاة 2/ 210
(5) شذرات الذهب 5/ 230
(6) تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص 29 - 30، شجرة النور الزكية ص 197، إتحاف أهل الزمان 1/ 162، تراجم المؤلفين التونسيين 3/ 392