فهرس الكتاب
وأما وجه الجمع فهو أن الجمهور تأولوا الحديث فافترقوا على فرق: فمنهم من أول سبب الترك فقالوا: المراد من تركها جاحدا لوجوبها، أو معترفا لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها، وفيه نظر، لأن الذي فهمه الراوي الصحابي إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالتبكير والمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره.
ومنهم من قال: المراد به من تركها متكاسلا، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني وهو مؤمن) .
ومنهم من أول سبب الحبط، فقيل: هو من مجاز التشبيه، كأن المعنى: فقد أشبه من حبط عمله. قيل: معناه كاد أن يحبط، وقيل: المراد من الحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، وكان المراد بالعمل الصلاة خاصة أي: لا يحصل على أجر من صلى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي: بطل انتفاعه بعمله في وقت ينتفع به غيره في ذلك الوقت.
وفي"شرح الترمذي"ذكر أن الحبط على قسمين: حبط إسقاط وهو: إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة وهو: إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته.
وقيل: المراد بالعمل في الحديث العمل الذي كان سببا لترك الصلاة، بمعنى أنه: لا ينتفع به ولا يتمتع وأقرب الوجوه في هذا ما قاله ابن بزيزة: إن هذا على وجه التغليظ، وإن ظاهره غير مراد، والله تعالى أعلم، لأن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك"."
قال ابن القيم في"الصلاة وأحكام تاركها" (ص: 65)
"والذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدا فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين".