فهرس الكتاب
ومن ذلك حديث جابر:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها" [1] ، وهذا الحديث استغربه الترمذي بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب"العلل": سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح، رواه غير واحد عن ابن إسحاق، فإن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق، لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه، فهي واقعة عين، حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى"رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر الكعبة"، وهذا يحتمل وجوها ستة: نسخ لمكان أو غيره، وأن يكون بيانا، لأن النهي ليس على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها، فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل.
وقول ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الصحراء، فهم منه لاختصاص النهي بها، وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم، مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان، فإنه يقال لهم ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزا لذلك، لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضا فإن النهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان، وليس مختصا بنفس البيت، فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت، بمثل ما تحول جدران البنيان وأعظم، وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله"."
1 -إسناده حسن، أخرجه أبو داود (13) ، والترمذي (9) ، وفي"العلل الكبير" (5) وحسنه، وابن ماجه (325) وأحمد 3/ 360، وابن الجارود (31) ، وابن خزيمة (58) ، والطحاوي 4/ 234، وابن حبان (1420) ، والدارقطني 1/ 93، والحاكم 1/ 154، وابن شاهين في"ناسخ الحديث ومنسوخه" (82) ، والبيهقي 1/ 92 من طريق محمد بن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن جابر به. وقال الدارقطني:"كلهم ثقات".
وقال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم"وأقره الذهبي!
قلت: إسناده حسن، محمد بن إسحاق أخرج له مسلم في المتابعات، وهو مدلس، وصرّح بالتحديث عند أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني، وابن شاهين، والحاكم، والبيهقي.
وهذا الحديث لا يعارض أحاديث النهي، لأنها واقعة عين محتملة، فقد يكون هذا الفعل لعذر من ضيق مكان أونحوه، أو لبيان أن النهي للكراهة وليس على التحريم.
فقد جاء من حديث أبي هريرة بإسناد حسن عند الطبراني في"الأوسط" (1321) "من لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة، ومحي عنه سيئة".
وهذا الحديث قد يكون قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة، فبمفهوم المخالفة أن من استقبل القبلة أو استدبرها عند قضاء الحاجة يُحرم هذا الأجر ولا يأثم. والله أعلم.