فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 86

"ما من مَكْلوم يكلم [1] في سبيل الله -والله أعلم بمَن يُكْلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يَثْغبُ دمًا [2] ، اللون لوم الدم، والريح ريح مسك"

فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"والله أعلم بمَن يُكْلم في سبيله"، فإن بعض الناس قد يكون ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكن الله يعلم ما في قلبه، وأنه خلاف ما يظهر في فعله.

ولهذا بوَّب البخاري رحمه الله على هذه المسألة في"صحيحه"فقال:"باب لا يقال فلان شهيد": وذكر الحديث السابق، وذكر أيضًا حديثًا عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه:

"أن رسول صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع شاذة [3] ولا فاذة [4] إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنه من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرِحَ الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه [5] بين ثدييه، ثم تحامل علي سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"وما ذاك؟ (فأخبره خبر قاتل نفسه) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذاك: (( إن الرجلَ ليعمل بعمل أهل الجَنَّة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجلَ ليعمل بعمل أهل النِّار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة ) ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في"فتح الباري" (6/ 112) :

"فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا (أي: قاتل نفسه في أرض المعركة) ، وإن كان مع ذلك يُعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة". اه

وقال أيضًا في نفس المصدر (6/ 113) :"وعلى هذا فالمراد: النهي عن تعيين وصف واحد بعينه أنه شهيد، بل يجوز أن يقال على طريق الإجمال". اه

فمَن كان ظاهره الصلاح، فإننا نرجو له الشهادة، لكن لا نجزم له بها، لأن مدار الشهادة على ما في القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله عز وجل، ولكننا نُجْرِي عليه في الدنيا أحكام الشهداء.

(1) يُكْلم: يُجرَح.

(2) يَثْغبُ دمًا: أي جُرَحه يجري متفجرًا، أي: كثيرًا.

(3) شاذة: التي تكون مع الجماعة ثم تفارقهم.

(4) فاذة: التي لم تكن قد اختلطت بهم أصلًا، والمعنى: أنه لا يرى شيئًا إلا أتى عليه فقتله.

(5) ذبابه: أي طرفه الذي يضرب به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت