والأحاديث الّتي وردت عن الجارية والرّجل اللذين كان يأكلّ الشّيطان معهما لم يكونا يأكلان بشمالهما ومع ذلك كان الشّيطان يأكلّ معهما، فلو أكلا لنهاهما النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام كما فعل مع الرّجل الّذي ورد في حديث عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، أنّ أباه حدثه: أنّ رجلا عند النّبيّ يأكلّ بشماله، فقال: (كلْ بيمينك، قال لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلاّ الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه) (رواه مسلم) .
ثمّ لو أخذنا بالقول بوجود الجنّي المتلبّس في مكان معين في الجسم، لوجدنا أنّ بعض العلاجات لا فائدة منها، فمثلا لا يلزم استعمال المريض تقطير الزّيت المرقي في الأنف والآذان، كما لا يلزم على المعالج النّفث أو رشّ الماء المرقيّ على فم المريض وأنفه لقطع الهواء على الجنّي
المتلبّس لأنّه بعيد على هذه الأماكن أو يمكنه البعد عنها. ولو كان الجنّي المتلبّس منحصرا في مكان معين فالمشكلة بسيطة ما يلزمنا إلا الفصد وتنتهي المشكلة ولا داعي لإضاعة الوقت.
ولماذا يشعر المريض بالرهبة من مجرّد رؤية الرّاقي، أليس هذا من تأثير الجنّي المتلبّس، فهل الّذي تكون عيناه في بطن أو قدم المريض مثلا، هل يمكنه أن يرى الرّاقي؟؟
كلّ هذه الأسئلة تدعو إلى إعادة التّفكير في الاعتقاد بوجود جنّي المتلبّس في مكان محدود في
الجسد، ولتأكيد بطلان هذا الاعتقاد سأورد رأي السلف في هذه المسألة فقد روى الإمام أحمد في مسنده: (عن أبي ثعلبة الخشني قال: سألت الله أن يريني الشّيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أنّ له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. فعلى ما وصف أبو ثعلبة أنّه متشعب في الجسد، أي في كلّ عضو منه شعبة. كما روي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين أنّه قال - وقد كبر سنه: ما أمنت الزنا وما يؤمنني أنْ يدخل الشّيطان ذكره فيوتّده! فهذا القول ينبئك أنّه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل) . (تفسير القرطبي)
والقول بأنّ الجنّي المتلبّس متواجد في كلّ الجسد لا يعني أنّه حاضر على جسم المريض بصفة متواصلة، لأنّ الحضور على المريض هو سيطرة الجنّي المتلبّس على أعضائه والتحكم فيها وذلك