وقد يتحايل العارض في بعض الأحيان في إقناع المريض والمعالج بأنّه قد خرج ثمّ بعد فترة يشعر المريض بعودة الأعراض من جديد فيظنّ أنّ العارض قد تمكن من دخول الجسم مرّة أخرى رغم أنّه يحافظ على أذكاره وتحصيناته فيستغرب لذلك ويفقد ثقته بجدوى التحصينات ويقتنع أنّ العارض يمكنه الدّخول والخروج كيف يشاء في بدن المريض، لأنّه يعرف جسده لفترة طويلة أو أنّ العارض قد يخرج ويترك الجسم مفتوحا كما يتوهم بعض الناس، فيمكنه الدّخول فيه في أي وقت، وبعضهم يظنّ أنّ الدّخول والخروج يتمتع به صنف من الجانّ دون الآخر، ويتعللون بأنّ العارض من النّوع الطيار إذا إقبل المريض على الرّاقي خرج منه وينتظر خروجه ليعود إليه، وكلّ هذا لا صحّة فيه البتة لما ورد عن النّبيّ في فضل الأذكار كآية الكرسي والمعوذتين، بل تنافي هذه الاعتقادات وجود الأمراض الرّوحية بالمرة، لأنّه إذا سلّمنا بأنّ دخول الجنّ بدن الإنسيّ أمر سهل في كلّ الأوقات والأحوال يصبح المسّ أمرا عاديا وبذلك لا يكون مرضا يستوجب العلاج. ومن جهة أخرى هل يظنّ النّاس أنّ المعالج له ميزة عن غيره في تحصينه لنفسه من أذى الجنّ والشياطين غير الأذكار الّتي يمكن لأي مريض أن يتحصّن بها، ومردّ كلّ هذه الاعتقادات الخاطئة هو عدم تفطن المريض والمعالج إلى أنّ العارض لم يخرج من الجسد ولم يفارقه، ولكنّه تظاهر بذلك حتّى وقع في تصديقه من وقع، فلم يجدوا تفسيرا لعودة الأعراض بعد ما صدقوا أنّ العارض قد غادر الجسد إلا ما يوردونه من ظنون واتباع للهوى.
في بعض الحالات، بعد الأخذ بالأسباب المشروعة واجتهاد المريض في تحصيل الشّفاء بشتّى
العلاجات قد لا ينزل الشّفاء التّامّ والكامل الّذي يذهب بكلّ الدّاء، رغم ذلك لا ينقطع الشّفاء
بل لا بدّ من نزول بعضه وهذه مشيئة الله وإرادته وهذا حكمه لا معقّب له. لا بدّ للمريض أن يقدر ما نزل له من شّفاء وما ذهب عنه من داء، ويطمع في رحمة الله ليذهب عنه ما تبقّى من الدّاء، فمفهوم الشّفاء لا يقتصر على ذهاب كلّ الدّاء بل حتّى بذهاب جزء منه.
ويحافظ المريض على الشّفاء الجزئيّ للوصول إلى الشّفاء الكليّ بإذن الله، إذا أيقن أنّ الّذي شفاه الشّفاء الجزئيّ بيده الشّفاء الكليّ إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، وإن اختار له مرتبة الصّبر