على جسده - إلى أن يبرأ من كل حول وطول، ويعلن كفره بكل ما ادعاه، ويسب أمه سبا أقله فحشا النيل من عرضها، ثم أعيد إلى سجنه.
فتوى جديدة بقتل الباب: ثبت للحكومة أن بقاء الباب حيًا يؤجج فتنة البابية، فطلب الصدر الأعظم الموافقة على قتل الباب، فوافق الشاه، وأرسل إلى عمه الأمير حمزه والي"أذربيجان"في تنفيذ هذا بعد تجديد الفتوى بقتل الباب، فأحضر الأمير الباب إلى تبريز، واستدعى العلماء لمناقشته لإصدار فتوى جديدة في شأنه، فرفض العلماء؛ إذ شعروا أن في الأمر امتهانا لكرامتهم وطعنا فيما أفتوا به من قبل، وأرسلوا إلى الأمير يقولون:"إن رجل اليوم هو رجل أمس، وقد استحق لدينا القتل من زمن، لفساد معتقده وكفره"فكان أن عقد الأمير مجلسا عرفيا في قصره، وأحضر الباب؛ وأوقفه بين يديه، ونوقش في بعض الأمور، فثبت جهله المطبق، وغباؤه الأحمق. ولكن الأمير أبى إلا أن يستشف بنفسه دخيلة الباب من حيث لا يدري، فطلب منه أن يرتجل خطبة يصف فيها بهر الأنوار في قصره! وسقط الغر في الشرك؛ إذ قام يخطب، وما نظن إلا أن قهقهة ساخرة كانت تجلجل في أعماق نفس الأمير، وإلا أنه آمن إيمانًا بأن الباب دعى مأفون منذ رآه ينصاع لما طلب منه! فما من سمات الوحي الإلهي أن يسيطر عليه بشر، فينزل عليه متى أراد، وما من سماته أيضًا أن يكون في مثل هذه التفاهة التي تصرف عنها الفكر مزدريًا. فأية هداية أو حكمة تشرق من وصف أنوار قصر وزينته؟!
وسأل الأمير الباب: هل نزلت عليك هذه الآيات بطريق الوحي؟ فقال الباب: نعم! فقال الأمير: إن الوحي لا يمحى من خاطر الموحى إليه. فقال الباب: نعم! ثم صرف الأمير الحديث عن وجهته، وشغل الباب بشيء آخر، وبغتة فجأ الأمير الباب بطلب تلاوة الخطبة السالفة، فسقط في يد الباب، وغشته رجفة عاتية، فقد أيقن أنه - بسوء كذبه - مكن خصمه من مقاتله. غير أنه لم يملك سوى أن يخبت لطلب الأمير، فوقف مرتجف الذعر يتلو الخطبة، وهو يوقن أنه بنفسه يفضح بهتانه. وعقب التلاوة قيل له إن خطبته الثانية مغايرة للأولى، فقال مرتعدا:"نزلت علي في هذه المرة على هذا النمط"ثم أطرق مرتجفا، فما كان الوحي سفها، حتى ينزل على مأفون مرتين في وصف أضواء قصر!
ولعل الأمير قد لفحه الإشفاق على مصير هذا التعس، فصرفه عن مجلسه ثم حمل إلى رئيس علماء الشيخية الملقب بحجة الإسلام لمناقشته. وهناك زعم أنه القائم، أو المهدي المنتظر. فقال الشيخ: الآن وجب قتلك! ثم هب قائما فتشبث الباب بردائه متضرعًا بقوله: أيها الحجة وأنت أيضًا تفتي بقتلي؟! فانتهره الشيخ قائلًا: أنت أنت الذي أفتيت بقتل نفسك أيها الكافر.