فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 284

هذه هي المعركة الطاحنة التي شبها المستعمرون؛ ليسفكوا بها الرمق الواهن الباقي من شعب طالما استنزفوا دماءه، ومضغوا أكباده، وما كانت هذه الخرافة التي اقتتل في سبيلها أبناء شعب واحد لتستحق أن يراق من أجلها حتى دم ذبابه!

الباب في مجلس العلماء: حينما اشتدت فتنة البابية، فزع رجال الدين والدولة إلى الشاه، فأرسل إلى ولي عهده ناصر الدين - وهو في تبريز - أن يحضر الباب من سجنه إلى مجلس علماء؛ ليناقشوه؛ وليروا فيه رأيهم، فجئ به، ونوقش، فأقر بعد مراوغة بما صدر عنه من كتب، وبأنه هو صاحب الزمان، وبهذا سعى الباب إلى حتفه بظلفه؛ لأن الأساطير الشيعية الموروثة تؤكد أن القائم بكل شيء عليم، وأنه لا يقول أبدا: لا أدري، وأن عنده لكل سؤال جوابا. فانهمرت الأسئلة عليه من الشيوخ، فلم يجب إلا كما يجيب المجرم افتضحت جريمته، وحاقت به الأدلة الدامغة تلعن كذبه، فآونة كان يرجو إمهاله حتى يهتدي إلى جواب، وأخرى كان يقر بأنه يجهل الجواب!

أما السؤال المحكم الذي وجه إلى الباب، فكان مضمونة: أن الباب يفتري أنه جاء بدين جديد، ومن سنن الله أن الشرع اللاحق يأتي مكملا للشرع السابق، فإن كان الباب صادقا في زعمه، فليبين النقص الذي زعم أنه كان في الإسلام، وليبين ما كمله هو به! فارتج على الدعي، وبحث عن دعوته، فلم يجد شيئا!

وبهذا الموقف الذي فضح فيه الباب نفسه أثبت من حيث لا يدري أنه مفتر أحمق، فما هذه سمة نبوة تعتز بوحي الله، وتسمو بكرامتها أن تمتهن! ثم رغب الباب إلى هؤلاء في أن يأذنوا له في ارتجال خطبة؛ لأن معجزته الكبرى هي ارتجال الخطب، فأذنوا له، فوقف المعتوه يخطب، أو بتعبير أدق: يهرف بكلم لا يستدني أذنا بإصغاءة واحدة! ولا يستأني فكرًا بانتباهة، ولا يستميل عاطفة بإثارة من شوق، ولا يوصوص حتى بلمحة خافتة من نور البيان! فهو أمشاج متباينة يلفظها خرف مخبول. لقد كان في خطبته يعدو عدوانا طاغيا على كل قواعد البيان ومقاييسه التي لابد منها؛ ليؤدي القول معناه، كان من الممكن أن تحنو بعض القلوب على هذا الإنسان لو أنه أثبت في مثل هذا الموقف أنه مؤمن قوي يستحوذ على قلبه حب الله.

ولهذا آمن ولي العهد - الشاه ناصر الدين بعد - بأن الباب داعية ضلالة وأخيذ أفن وحماقة، فأسلمه إلى شيخ العلماء؛ ليعيد إليه صوابه، بعصا غليظة، فدفعته هذه العصا - وهي تتهاوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت