في دوامة هذه الأساطير والأشواق ولد ميرزا علي محمد سنة 1235 هـ - 1819 م بشيراز، وقد مات أبوه وهو طفل، فكفله خاله التاجر سيد علي، ثم أرسل به إلى معلم ليتعلم على يديه، وكان المعلم يسمى مدرسته:"قهوة الأنبياء والأولياء"ثم رحل الخال بابن أخته إلى"بوشهر"وافتتح له متجرا هناك، وبدلا من أن يعين خاله الذي بذل في سبيل تربيته ما بذله، عكف على كتب الصوفية يترع وثنيتها منطويا على نفسه ذاهلا عن كل ما حوله. كان إذا اتقدت الهاجرة يرقى إلى سطح البيت ثم يجلس عاري الرأس، وهو يغمغم بأوراد صوفية هي أمشاج من رموز وألغاز وطلسمات تفتن مثل هذا المراهق الحالم المشغوف بالمجهول، وتغريه بالبحث عما وراء ذلك كله. وقد ظل يقترف هذا العمل حتى مسته لوثة كانت تعتريه بسببها غواش عصبية. وفي أثناء ذلك التقى به جواد الطباطبائي أحد تلاميذ الرشتى، فافتتن بالغلام، ومكث ثمت معه في بيت خاله ستة أشهر يناغيه ويسمر معه في خلوة ساجية، ويغريه بما يلقي على مسامعه من ثناء خلوب، ويقص عليه بشارات الأحسائي والرشتى بالمهدي، وبقرب ظهوره، فسعر وله الشاب وأشواقه، وجعله يزداد عكوفا على كتب الصوفية والحروفية والمشعبذين، ولاسيما الكتب التي تتحدث عن فن تسخير روحانيات الكواكب وتأثير مشارقها ومغاربها وتنقلاتها على أقدر الناس والوجود. وخشي خاله عليه - وكان به بارا - فأرسل به إلى النجف وكربلاء للاستشفاء بزيارة مشهد علي والحسين وبعد الزيارة استقر في كربلاء، وهناك استعاد سيرته التي كان عليها في"بوشهر"فبصر بعض تلامذة الرشتى بهذا الشاب المنطوي على تهجده وتلاوته وذهوله واستغراقه في ترتيل أذكاره الصوفية، فحملوه إلى مجلس الرشتى، فشعر الشاب أنه حيال بحر خضم زاخر العباب في التصوف، فلازم الشيخ حتى عب فيضا زاخرا من صوفيته، وبدأ يقلده فيما يكتب، كما بدأ يشعر بأن أحلامه تلحف عليه في أن يعلن عنها، فأوى إلى مسجد، واعتكف فيه.
الغلام يزعم أنه باب المهدي: وأنهى الباب خلوته؛ ليبدأ الهمس بما زينته له هواجسه، وقد استنكر منه بعض الناس هذا الهمس الذي يزعم به أنه"الباب"الموصل إلى صاحب الزمان أو القائم أو الإمام المنتظر! وأنه وكيله أو السفير بينه وبين الخلق. وآخرون خدعوا بمظهره الورع الزاهد، فجنحوا إليه، ففتنوا بزيفه الذي يوحى بالورع والزهادة، فآمنوا به"بابا"يلجون عن