وينفذ فيه المعتصم الحكم الذي حكم الله به على ن يحاربونه، ولولا عزائم الأبطال الذين أعدهم الإسلام لخوالد أيامه، لقضى بابك - بخيانة الأفشين - على المسلمين [1] .
وتضطرم ثورات وثورات. ويقتحم الحمى عداه من كل ناحية، وتظل - رغم ذلك كله - قوى الإسلام صامدة شامخة رغم أنها مثخنة بالجراح لا ينال منها سوى الخيانة الآثمة كما صنع الوزير الشيعي ابن العلقمي [2] حينما سعى بالخيانة إلى التتار، ففتح لهم بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، فنكلوا بأهلها وبالخليفة نفسه [3] ، وما هو إلا مثل نضربه لا تاريخ للخيانة نفصله.
من ينسى نضال الإسلام لهذه الثورات المتتابعة، وللقرامطة [4] وللصليبيين وللتتار وغيرهم وغيرهم - والذي يذكر هذا يذكر معه أن هذه الثورات السفاحة قد نالت ولا شك من دولة
(1) انظر في ص 240 جـ 5 الكامل نهاية بابك، وقد قَتل الملعون من المسلمين قرابة ثلاثمائة ألف.
(2) قال الإسحاقي في تاريخه أخبار الأول ص 108: (ومن أعظم أسباب زوالها - يعني الدولة العباسية - أن مؤيد الدين العلقمي كان وزير المعتصم، وكان رافضيا - أي شيعيا - مستوليا على المعتصم عدوا له، ولأهل السنة يداريهم في الظاهر، وينافقهم في الباطن، وكان يريد إزالة الخلافة من بني العباس، وإعادتها إلى العلويين، وصار يكاتب هولاكو، ويطمعه في ملك بغداد، ويطالعه بأخبارها، ويعلمه كيفية أخذها، ويخبره بضعف الخليفة وانحلال العسكر عنه) نقلنا النص عن كتاب حياة شيخ الإسلام ابن تيمية لعلامة الشام الشيخ محمد بهجت البيطار.
(3) (( سقطت بغداد في يد هولاكو سنة 656 هـ - 1258 م. وكان النصير الطوسي أحد أعوان هولاكو في هذه الجريمة المنكرة؛ إذ كان شيعيا، وإليك ما يقوله مؤرخ شيعي:(ومن جملة أمره - أي الطوسي - المشهور والمعروف والمنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم في محروسة إيران هولاكو خان بن قولي خان بن جنكيز خان من عظماء سلاطين التاتارية وأتراك المغول وحجيته في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، وقطع دابر سلسلة البغي والفساد، وإخماد ثائرة الجور والإلباس، بإبداد دائرة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغاة إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار. فانهار بها في ماء دجلة ومنها إلى نار جهنم دار البوار) روضات الجنات لميرزا محمد باقر الموسوي الشيعي (نقلا عن ص 189 المصدر السابق) . وهذه الشماتة من المؤرخ تكشف لنا عن سعار الحقد الذي يضطرب به قلبه. وعن الطوسي يقول الإمام ابن القيم: (ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة. واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم .. واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سيناء مكان القرآن، فلم يقدر على ذلك، فقال: هي قرآن الخواص، وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين) ص 267 جـ 2 إغاثة اللهفان.
(4) بدأت في عهد الخليفة المعتضد الذي تولى سنة 278 هـ - 891 م مؤسسها حمدان قرمط في المنطقة المحيطة بواسط من العراق وفي سنة 317 - 929 استولى القرامطة على مكة ونزعوا الحجر الأسود، وظل في عاصمتهم الأحساء ثلاثين عاما، ثم رد إلى مكانه في خلافة المطيع ويقول عنهم الإمام الجليل ابن القيم: (وكان هؤلاء زندقة يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو وأهل بيته براء منهم نسبا ودينا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران ولا يحرمون حراما، ولا يحلون حلالًا) ص 267 جـ 2 إغاثة اللهفان.