مات الشاه سنة 1264 هـ، فأسرع"باب الباب"بمن جمعهم، وتحصن في قلعة الطبرسى، وراح في كل ليلة يغير على القرى المجاورة نهابا سفاكا للدماء. فأعدت الحكومة حملة للقضاء على فتنتهم، وأرسل قائد الحملة إلى السفاكين خطابا يطلب منهم فيه أن يفيئوا إلى الموادعة والسلام. فرد القدوس ردا خادعا في كتاب ملأه بمكر النفاق؛ فقد بدأه بالدعاء لقائد الحملة، ثم راح يتنصل من كل ما يقال عن البابيين زاعما أنهم جمع منكسر ضعيف، لم يقوموا إلا بما وجب عليهم من التبشير بظهور القائم، ثم ختم كتابه بالتضرع إلى قائد الحملة في أن يجمعه بالعلماء لمحاجتهم، فوافق القائد على ما اقترحه القدوس حبا في تجنب إراقة الدماء. وأخفى القدوس ابتسامة كادت تتوهج كرغبة الشيطان على فمه. ولم لا؟ وقد خدع القائد، فجعله يظن الخير في البابيين. ويحسب أنهم دعاة سلام؛ ولهذا بات القائد يحلم بالسلام، ولا يأخذ من البابيين حذره.
ومضى القدوس والبشروئي يفتنان بعض الذين معهم في القلعة من قاطعي الطريق عن حقيقتهم بما يخلعان عليهم من نعوت وأسماء؛ فقد سمياهم مجالي الأنوار، وأمناء الأسرار، ونعتاهم بأنهم قطعوا سلاسل التعلقات بشجاعة وجذبة إلهية، وبأنهم يرون ما لا ترى الأعين، ويسمعون ما لا تسمع الأذان. ثم آثار في النفوس ذكريات استشهاد الحسين في كربلاء مقارنين بينه وبين الباب.
ومن خلال ضباب التاريخ لمعت مأساة كربلاء التي ارتبطت بها حياة بعض هؤلاء. وفي نفوس عشاق الوهم الساحر تقديس عابد لهذه المأساة، فلم لا يكافح هذا البعض في سبيل أن يكونوا عم أبطالها الشهداء مرة أخرى؟ ولم تكون أيام الباب رجعة لهذا الماضي الشجي الحزين؟ ولم لا يكون الباب رجعة للحسين، ويكونون هم رجعة للأبطال الذين استشهدوا مع الحسين؛ لينتقموا من هؤلاء الكفرة الذين هم رجعة لقتلة الحسين؟!.
وتحت أجنحة الليل كان القائد المسكين وجنوده ينعمون بالنوم، ويحلمون بالسلام!
وعند منتصف الليل فُزِّع الظلام الرهيب بأشباح تتسلل من القلعة في صمت يتلفع بالحذر، وفي حال يفغر الهول فمه دهشة من هولها؛ إذ كان الأشباح حفاة عراة إلا من قمص قصار نائيات عن الركب، وقلانس ذوات لون واحد، وفي أيديهم أسلحة تفجر ضراوتها إلى الدم المسفوح من أكباد الأرامل والأيتام!.