وختمها، ووضعها في طين نظيف، وثمت يطلع عليها الإمام الغائب، فيرسل بالجواب عنها في رسالة موقعا عليها منه.
وقد استغل وكلاء الإمام وغيرهم هذه الرقاع في تحليل ما حرم الله، ونسخ ما لا يرضى أهواءهم من أحكام الله. ولهذه الرقاع عند الشيعة سلطان كبير، فهي ترجح عندهم أصح الأحاديث إذا تعارضت معها، وقد تسمى هذه الرقاع بالتوقيعات؛ لتوقيع الإمام عليها.
يقول أحد كبار علماء الشيعة عن الإمامة:"إن هذا هو الأصل الذي امتازت به الإمامية، وافترقت عن سائر فرق المسلمين، وهو فرق جوهري أصلي، وما عداه من الفروق فرعية عرضية ... وعرفت أن مرادهم بالإمامة كونها منصبا إلهيا يختاره الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه، ويأمرهم باتباعه، ويعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علي، وينصبه علما للناس من بعده". ثم يذكر العالم الشيعي الكبير أن النبي خشى أول أمره من النص على ابن عمه علي مخافة أن يتهم بمحاباة أهله، فأنزل الله عليه قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [1] [سورة المائدة: 67] . ثم يذكر شبه الذين ينكرون هذا، ولا يؤمنون به، وأولى هذه الشبه هي:"استبعاد بقاء الإمام طول هذه المدة التي تتجاوز الألف سنة"ثم يرد على هذه الشبهة بقوله:"وكأنهم ينسون، أو يتناسون حديث عمر نوح"ثم يذكر - كدليل له - ما ورد في بعض الكتب التي ينتمي أصحابها إلى أهل السنة عن بقاء إلياس والخضر قرونا متطاولات إلى أن ينقضي الدهر، ويذكر مختلقات الصوفية التي تنسب إلى بعض الشيوخ أنهم تلاقوا بالخضر، وسألوه، وأجابهم عما سألوا، والتي تؤكد أيضا أن الخضر يوجد في المواضع الشريفة [2] .
واستشهاد الشيخ بعمر نوح لا يصحح له دينه، فهذه كانت سنة الله في أيامه إذ كانت الأرض في حاجة إلى من يعيشون فيها قرونًا؛ ليقوموا بعمارتها، أما اليوم فليست الأرض بحاجة إلى من يعيش عليها ألف سنة، وإلا لضاقت الأرض بالبشرية، وانفجرت بهم. ثم أية منفعة تعود على عباد الله من غيبة إمامهم المعصوم أكثر من ألف عام، وهو الذي تتوقف على إمامته النجاة، وعلى الإيمان بها الفوز الخالد الأبدي؟! على أن نوحا ظل قرابة ألف عام بين الناس يدعو إلى الله في جلاد قوي، لا غائبا في مدينة مجهولة مترف النعيم وحده كالإمام المصور في
(1) وادعاء أن هذه الآية نزلت في هذا الشأن قول على الله بغير علم.
(2) ص 88 وما بعدها أصل الشيعة وأصولها.