اسمه عباس، وقد ولد بطهران سنة 1260 هـ 1844 م، وحينما بلغ الثامنة رأى الحكومة تقذف بأبيه في السجن؛ لأنه كان المدبر لمؤامرة قتل الشاه ورأى كذلك كيف هجم الشعب على بيتهم، وهو مضطرم الرغبة في الثأر من المجرم الذي يسفك الدم، وفي يده مسبحة، وشهد أباه في السجن، وكأنما هو ميت قام بعد دهر ينفض عنه هباء كفنه، وتراب قبره. ثم رافق أباه حينما نفى إلى العراق، وحينما هاجر أبوه إلى السليمانية، كان شغله كتابة ألواح الباب وحفظها [1] .
وهكذا لم يعِ عقله منذ نشأته إلا ضلالة الباب وكفره، فاستخف عقله الصغير زعم الباب، فآمن به في طفولته، كما استخف هذا الهوس أباه، فلم لا تسحره فتنة أبيه، وتستهويه دعواه، وهو الذي يعتقد أن أباه لا يمكن أن يتهم أبدا بسوء الكذب على الله، أو على الناس؟ ولئن جاز أن يتهم بهذا، فإنه لا يمكن أن يتهم بسوء الكذب على ابنه.
وشب الصبي، وراح يلتهم في ضراوة ونَهَم تراث الصوفية، وأدعياء النبوة والألوهية، وكتب الباطنية، وتراث الفلسفة اليونانية، وقد استهوته الفيثاغورية لنزعتها العددية، وألزمته الفلسفة المادية نتائجها التي تجحد بالله، ولئن كان قد تراءى بنقدها، فإنما فعل هذا؛ ليلتقي معها فعلا، وثمت أدرك عبدالبهاء أن أباه كاذب في دعواه أنه يوحي إليه، وعرف أنه سارق كفر، لا مبتدع كفر! وطالب أباه بالثمن؛ ليسكت، وأعطى الثمن، وهو السيطرة على عقل أبيه، وقوله، وقلمه، ويده، ليتناول ثمن الخيانة بدلا منه! واستمرأ عبدالبهاء الكفر بالله، وحاول أن يقيم دين أبيه على مبادئ لا تناقض أصول الفلسفة المادية الصماء التي تكفر بقدرة الخالق، أو تجحد بوجوده [2] ، وتنفي عن الله صفة الخالقية!
لقد أفاق الشاب من سحر أبيه، ولكنه لم يكن يستطيع أن يرجع؛ لأنه غير بطل، بل غير رجل! ولأنه وجد الكفر يدر ذهبًا، ويشيد قصورًا ويغرس حدائق، وكانت شهوته أكبر من عقله، وسيدة دنياه. وتراه في مكاتيبه يفخر بأنه يعرف ضلالة الفلسفة، لا هدى النبوة، ويحترم الفلاسفة، ويهزأ بالأنبياء، فيفيض - ليبرهن على تبعيته - في الحديث عن الأجرام الأثيرية والخلاء والملاء والعناصر والطبائع والمعادن والفلزات، ولكنه حديث التقليد لا حديث العبقرية، أو حديث الفهم الدقيق، ويمجد فيثاغورس؛ لأنه اهتدى إلى دوران الأرض. وقد كان للفلسفة
(1) ص 58 بهاء الله.
(2) يقول البهائية عن رأي داروين وغيره من الذين ينكرون الخلق بالمعنى الديني: (إنه أقرب إلى الدين) ص 251 بهاء الله.