المادية التأثير الكبير عليه في نظرته إلى أصل الوجود والنواميس الكونية التي تسيطر عليه، كما كان للتصوف التأثير الغالب عليه في نظرته إلى تنزلات الوجود الإلهي وتعيناته، أو تجسداته. وللإسماعيلية في تجليات"العقل الكلي"كما أنه أخذ بنظامها السري في الدعوة؛ لهذا تكفل عبدالبهاء - بعد هذا الوعي الأسطوري - بأمر الدعوة كما قلت، وترك لأبيه الزمزمات والهمسات الخافتة الناعمة [1] ، والدعوة إلى الحب العام والسلام العالمي. كما كان يفعل كبار كتاب عصره.
تكفل عبدالبهاء بدين أبيه يبتدع أصوله، وفروعه، وبالجدال عنه، والحجاج بالمشككات في سبيله، حتى صار الأمر في البهائية أمره، واليد التي تعرف الأيدي القذرة المعطية هي يده!
كان يغشى مساجد عكا، ويؤدي الصلاة، ويحاور، ويداور، ويقذف بالشكوك على النفوس القلقة اليقين، وكان يستطيع - لمعرفته بمذاهب الديانات - أن يقنع [2] كثيرا من الطوائف في عصره - على تباين آرائها ومعتقداتها - أنه معها، وأن البهائية هي هذا الكفر الذي ينزع إليه هؤلاء، أو ذلك الإيمان الذي يسكن إليه أولئك، أو هي هذه المادية الجامدة الجاحدة، أو تلك الروحية المغرقة في التجريد والنسك، فهو مسلم، مسيحي، يهودي، صوفي، بابيٌّ تيوزوفي ماسوني طَبَعِيٌ. هو حرباء تصطبغ دائما باللون الذي ينسجم مع بيئتها.
يراه المسلم في المسجد مؤديًا للصلاة، خاشعًا، مستعبرًا، ويسمع منه الصليبي تمجيدًا للتجسد وللثالوث، ويراه عاكفًا على مذبح الرب في الهيكل يرتل الضراعة باسم الأب، والابن، والروح
(1) كان البهاء إذا سئل عن شيء يحيل السائل إلى ابنه مخافة الزلل، وكان عبدالبهاء يقول في مثل هذه الحال: (صدر الأمر من مطلع إرادة ربك - يعني إرادة أبيه - لهذا العبد أن أحرر ما يجريه على قلمي بنفثات روح تأييده) ص 37 مكاتيب. فإذا ما خلا أحدهما بصاحبه ضحك كلاهما سخرية من بلاهة هؤلاء الذين آمنوا بهما.
(2) (( لقد بلغ من دهائه أنه خدع عن حقيقة دعوته الأستاذ الكبير الشيخ محمد عبده يقول الشيخ رشيد رضا في تاريخ الأستاذ جـ 1 ص 930:(وقد دهشت أشد الدهشة؛ إذ رأيت الإمام غير واقف على حقيقة دينهم - يعني دين البهائية - ومصدقا ما كان سمعه من زعيمهم الداهية عباس أفندي نجل البهاء ومنظم دعوته وناشرها، حتى أوقفته على ذلك. كان يجتمع بعباس أفندي أيام إقامته في بيروت؛ إذ كان عباس أفندي يتردد إليها، ويصلي الصلوات الخمس والجمعة، ويحضر بعض دروس الإمام ومجالسه، واستمر على مكاتبته بعد عودته إلى مصر، ولدى عدة كتب منه إليه) ثم يقول الشيخ رشيد رضا: إنه سأل الشيخ عن عبدالبهاء وعما يقول عن براعته في العلم والسياسة، فقال: (إن عباس فوق هذا، إنه رجل كبير هو الرجل الذي يصح إطلاق هذا اللقب عليه، ثم يقول الشيخ رشيد بعد هذا عن الشيخ:(والظاهر أنه لم يقرأ ما نقلته دائرة المعارف العربية عن رأي أستاذه السيد جمال الدين فيهم بل كان غشه داهيتهم عباس بقوله: إن قيامهم لم يكن إلا لمقاومة غلو الشيعة، وتقريبهم من أهل السنة) .