عاش البهاء وابنه بقية عمرهما في فلسطين التي كانت ترزح تحت حكم العثمانيين، وقبل أن نأتي على بقية تاريخهما نذكر طرفًا من تاريخ الإمبراطورية العثمانية يعيننا على فهم الأسباب التي أدت إلى انتشار البهائية وسعة نفوذها. وقد دخل البهاء عكا في عهد عبدالعزيز الذي انهارت الإمبراطورية في عهده انهيارًا اقتصاديًا أدى إلى خضوع ماليتها لإشراف الدول الكبرى، وخلع عبدالعزيز سنة 1293 هـ - 1876. وتولى مراد الخامس، فلم يخمد ثورة، ولم يقوم معوجًا، ولم يقم بناء، حتى عزل بعد أن اتهم بالجنون، وتولى بعده الطاغية عبدالحميد الثاني. وعاشت الإمبراطورية في عهد الطاغية عبدالحميد محل نقمة من الداخل، ومن الخارج. أما من الداخل، فمن رجال تركيا الفتاة الذين هالهم بطش عبدالحميد، واستبداده، فراحوا يعملون بجد للخلاص منه، أما من الخارج فمن الصليبية [1] كراهية منها للإسلام، وكراهية منها لعبدالحميد الذي كان يعمل حينئذ بوحي من بررة رجال الدين على أن يبسط ظل الحضارة الإسلامية ليصد بها خطر تيار الحضارة الصليبية، وقد لقيت هذه الفكرة - كما يذكر بروكلمان - تعضيد طائفة كبيرة من المثقفين بعامة، ومن علماء الدين بخاصة إذ كان الإسلام - كما يقول بروكلمان - يقوم في نظر هؤلاء مقام الوعي القومي المفقود [2] وقد جد هؤلاء العلماء لمجابهة تيار الصليبية بتيار إسلامي حاولوا أن ينتظم كل البلاد الإسلامية، ولو أن غايتهم هذه وجدت القائد القوي المؤمن، والجنود الأشداء الأولياء، لتحقق بها للإنسانية ذلك المجتمع المثالي الأعظم الذي تحلم به، والذي لا يتحقق إلا بهدى الإسلام. إذن كان الأمر أمر إسلام تعمل الصليبية للقضاء عليه، لا أمر شعب تحاول إنقاذه من طغيان حاكم. نعم كان عبدالحميد طاغية، ولكن كم من طاغية مجنون تركته الصليبية يبطش بشعبه ما دام مشدود الوثاق إلى أطماعها، وأخيرًا
(1) يلخص عارف بك المارديني أطماع الدول في ذلك الوقت، فيقول: (إن الإنكليز قصدهم الاستيلاء على الممالك الشرقية بصورة لا تبقى مع أحد من أفراد أهلها درهمًا في جيبه ولا قميصًا على بدنه. والروس مقصدهم تحويل سكان ممالك الدولة العثمانية للجنس السلافي أو القازاني، وأن يكون لهم منفذ للبحر الأبيض المتوسط حتى يتمكنوا من الاستيلاء على ممالك أخرى غير ممالك الدولة العثمانية، والفرنسيون مقصدهم الاستيلاء على جميع البلاد العربية، لا سيما سوريا. واليونان مقصدهم الاستيلاء على استانبول وتحويل جامع أيا صوفية المشهور فيها إلى كنيسة تدق النواقيس على أطرافها، والأرمن مقصدهم أن تكون لهم ظاهرة سياسية يتمكنون بها من قهر المسلمين الذين هم بجوارهم والتصرف بهم، واليهود مقصدهم ألا يبقى من المسلمين والنصارى ديار، ولا نافخ نار، حتى يتمكنوا من الاستيلاء على بلاد فلسطين والقدس الشريفة، ويحكمون فيها كيفما شاءوا) ص 244. ألف حديث وحديث.
(2) (( ص 69 جـ 4 تاريخ الشعوب الإسلامية.