الفتن الهوج. ويبرزون المأساة في صور لا يسكن بها شجن، ولا يخمد أسى، ولا ترقأ دموع، وقد افتن في تصويرها تهويلات الخيالات من نوائح التاريخ ونوادبه، وما أكثر الذين يلذ لهم اللطم في المنادب والمناحات! ولقد سفكت من قبل دماء زكيات كانت أعز وأغلى. دم الخليفة البطل العادل عمر. دم الخليفة الأريحي النبيل عثمان. دم الخليفة الشجاع علي. ولكن هذه الدماء التي بغي عليها لا تلهج السبئية بذكرها، بل أنها لتلعن بعضها، حتى لنرى الذين اندسوا بأهوائهم في كتب التاريخ يكادون يمرون بمقتل عمر، وكأنما هو أمر هين لا يستحق أن يقف التاريخ عنده إلا ليحاول أن يلقى سترا على الجناة البغاة من السبئية. أما حين يأتي مقتل الحسين، فيخيل إليك أن أولئك الذين كتبوا قصته كانوا يريدون أن تتفطر معهم السموات والأرض، وأن تقف دورة الفلك. ويخيل إليك أيضا أنهم يعجبون كيف ظلت الحياة جياشة والوجود قائما بعد مقتل الحسين! نعم كان مقتله رضي الله عنه نكبة وصدعا كبيرا، بيد أنه لا يقارن بمقتل عمر، فلماذا ينسى نوادب التاريخ فجيعة الإسلام والمسلمين في عمر، على حين يذكرون بالدموع الغزار والعويل والنحيب وشق الجيوب ولطم الخدود مقتل الحسين في كل عام وكتاب؟ هذا هو السؤال الذي نوجهه في هدوء لا نحب أن تعصف به لجاجة الحقد من المقلدة والمقنعين، وجدل البغضاء من رادة النفاق وزيف العواطف، وأكلة اللحوم من رمم المقابر!
إننا نعترف بأن الذين أحكموا مؤامرة قتل الحسين، قد نجحوا فيما لم ينجح فيه سلفهم، وهو صدع الجماعة صدعين متنافرين متباغضين حتى الآن، وزلزلة أركان الدولة الأموية، دولة العروبة الخالصة والإسلام القوى الدولة التي قاومت من بين ما قاومت تيار البدع الجارف الذي اجتاح بعدها بقايا الإسلام في صدور المسلمين.
دعيُّ نبوة: ثم ظفرت السبئية بالثعلب الماكر المختار بن أبي عبيد الثقفي [1] ذلك الأفاك الذي استحوذت عليه أطماعه، واستبدت به، حتى أضلته ضلالا بعيدا. لقد عرض نفسه على كل مشتر، فكان خارجيا، ثم زُبًيْريّا، ثم شيعيا. وكان تشيعه صفقة رابحة للسبئية؛ إذ اشترته بثمن بخس، فقدم لها أكثر مما كانت تطمع فيه حينئذ. لجج الدماء النوازف من آلاف الضحايا، ترنح
(1) (( ولد عام الهجرة. أبوه صحابي جليل. وأخته زوجة لابن عمر، قتل معظم من اشتركوا في مقتل الحسين إلى أن ظفر به مصعب بن الزبير، فقتله سنة 67.