ثم طيف بالباب على شيوخ آخرين، فصدرت عنهم الفتوى بإعدامه.
انهيار الباب: علم الباب بفتوى الشيوخ، فأسقط في يده، وانهارت بقية التجلد الواهية التي كان يتشبث بها، وغمره الشرود والذهول العميق [1] . ويروي مؤرخ البهائية أنه راح يندب فاجعته، ونفسه بهذا الشعر:
إلى الديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
لهوت عن الفناء، وأنت تفنى ... فما شيء من الدنيا يدوم
هكذا أرغمه الحق على أن يؤمن به، وهو يرى المنية ترميه بالنظر الشرر! ثم استبدت به غاشية من الرعب شردت عنه تصبره الواهن، ورمق الرجولية الخافت فيه فصرخ:"يا حبذا لو وجد من يقتلني هذه الليلة في هذا السجن! إنه لو فعل لكان عمله عين الصواب" [2] . هذا هو من يزعم له البهائية أنه مظهر الحقيقة الإلهية! يسلمه الجزع إلى وضاعة كفر آخر.
كاتب الوحي يكفر برب وحيه: كان مع الباب في سجنه ثلاثة من أتباعه هم كاتب وحيه المزعوم وشقيقه، وشاب آخر أعماه حب الباب عن فهم حقيقة معبوده الباب. وفي ضحى اليوم الذي تقرر فيه إعدام الباب، وفي غرفة السجن التي اصطرخت فيها أشباح الموت فوجئ الباب بما زلزل كل ثقته في الناس. فقد أتاه من يسوقه إلى الموت، وإذا به يرى كاتب وحيه، وقد هب يعلن كفره بالباب، وبراءته منه، ويقذف في وجهه ببصقات من فمه الملوث بالخطيئة تقعقع بها وجه الباب المغبر الهضيم! ومع البصقات لعنات تضطرم كراهية ومقتًا وسبابًا يتنزى قذارة وفحشًا. وكذلك فعل شقيق كاتب الوحي، فأطلق سراحهما، واندفعا يحتشدان مع الناس، ليشهدا مصرع الباب في جذل مجنون فيه حماقة الشماتة وجفوة الغدر والخيانة.
المجرم المستتر: وهنا تشير الحقيقة بالاتهام إلى البهاء، وتبصق في وجهه لخسته ودناءته. فقد صمم على أن يغمض الموت عيني الباب على أن أبشع ما يشهد الإنسان في دنياه من صور لدناءة الغدر. على بصقه قذرة تستقر على وجه الباب من فم رجل يقال عنه إنه كاتب وحيه، وعلى ضحكة راعدة السخرية يضطرب بها مشفره، ولعلها في مقياس الشعور المرهف أشد قسوة من الموت نفسه!
(1) ص 432 الكواكب الدرية.
(2) ص 436 الكواكب الدرية.