فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 284

الطاغوت بنسخ دينهم مرتين في أقل من ربع قرن. والثابت أن الباب هو معلم البهاء وربه في الخرافة! وأن البهاء ما ألف الإيقان إلا ليثبت أن الباب هو رب القيامة الكبرى.

من آيات الدين الحق أنه يقوم أمته بخصائص ذاتية، تجعل منها وحدة قوية، جلية المعالم، مشرقة السمات، مستقلة استقلالا تاما، فلا تنماع ذاتيتها في غيرها من الأمم، ولا تشتبه مقوماتها بأخرى، والعهد الأول الأعظم الذي يرتبط به كل فرد في هذه الأمة هو عهده مع الله وحده. إنه كمسلم يفني حياته في سبيل صيانة عهده مع الله، والمحافظة عليه. أما العهود الأخرى التي يرتبط بها مع الأفراد والجماعات، فإنها تكون تابعة لعهده مع الله لا تناقضه، ولا تقتحم بريبة ما قدسية الإيمان به. فإن رأى في عهد منها ما ينال من جلال عهده مع الله، امتنع عليه، وأثار الحرب ضده، وضد الذين يحاولون إرغامه، أو إرغام أخ له على أن يلتزم بالوفاء له! فالمسلم - إذن - في عقيدته، وفي خلقه، وفي سلوكه الفردي والجماعي، فيما يريده، أو يفكر فيه، فيما يرضى به، أو يغضب له أو منه، في ظاهره وفي باطنه، إنه في كل ذلك مرتبط كل الارتباط بعهده مع الله وحده، لا يحيد عنه، ولا يحاول التنكر له؛ لأن حريته وعزته وقوته وسعادته وحياته في أن يظل موصول الأسباب بالله. أما أن يحيا إنسان بهواه مع الرحمن، وبسلوكه مع الشيطان. وإما أن يقدم للدين عاطفة مقهورة مكبوتة، ولغير الدين عملًا يناهض دينه، ويعاديه. أما أن يعيش بباطنه - كما يخيل إليه - مع الله، وهو بظاهره مع غير الله، فهذه إنما تكون حياة إنسان مقطع الأوصال والأرحام، منفصل تمام الانفصال عن دينه، ورب دينه حياة إنسان يعيش بذاتين متناقضتين متنابذتين تجاذب إحداهما الأخرى أسباب المنافرة والمشاحنة والبغضاء، وهو بينهما موزع يتجرع الهزائم النكر، إلى أن يخر حطاما لا تنافحه حياة، ولا أثارة من حياة من طول وقسوة ذلك النزاع المحتدم بين إرادة مقهورة يحبسها الخوف من أن تدفع إلى قول يعبر عنها، وعمل ينم عليها. وبين إرادة أخرى لا تنتسب إلى إرادته تحتم عليه أن يقول وأن يعمل ما لا يحب، وما لا يرضى، وما لا يوافق دينه. إن الدين الحق يوحد بين باطن الإنسان وظاهره، بين بواعثه وغاياته، بين إرادته وسلوكه، بين نيته وعمله، بين عقيدته وعبادته وخلقه، أي يجعل من الإنسان وحدة تامة تعبر بظاهرها عن باطنها، وبما تقوم به عن قوتها الملهمة الفادية لكل حق جليل، الباذلة لكل خير نبيل، فلا يقبل منا الدين إرادة خيرة، وعملا نزاعا إلى خدمة الشر، أو عملا يلمع ظاهره بنضرة الخير، ووراءه نية يعوي فيها الشر؛ لهذا تجد الإسلام يحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت