فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 284

فاجتاح البرامكة بإعصار قوي مدمر، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، فأثبت بهذا البطش العارم بأعداء العروبة والإسلام أن العربي قوة رائعة قد تذهل أحيانا عن نفسها، ولكنها حين تستثار بعنف تسيطر، وتجتاح مردة البغى وأبالسة الشر.

وتحاول السبئية أن تثأر لنفسها من هذا الخليفة الذي نكل بها، ودمر أحلامها في اللحظة التي حسبت فيها أنه لم يبق بينها وبين النصر الأعظم سوى خطوة قصيرة يترك لها هي تحديد ميقاتها، فتصور هذه المعركة التي خاضها الرشيد ضد البرامكة تصويرا يثير العطف الحنون على البرامكة والغضب الناقم من الرشيد خيانته. تصويرًا يجعلنا نعتقد أن ما فعله الرشيد لم يكن إلا غدرًا اجتاح البرامكة به؛ فقد زعموا أن جعفر البرمكي استجاب للهفة العباسة أخت الرشيد، فعقد عليها سرا، وجاء منها في المخدع الظنين بغلام، ففتك الرشيد بالبرامكة لهذا! وقد جازت هذه الفرية الخسيسة على بعض المؤرخين الذين ينتسبون إلى أهل السنة، فلم لا ينقم الناس من الرشيد أنه دافع عن عرض لا يستحق أن يدافع عنه أحد؛ لأن هذا العرض هو الذي سعى إلى أن يمتهن. وما فكر هؤلاء أن الأمر لو كان كذلك، لقضى الرشيد على جعفر وحده، فهو صاحب الجريمة كما يزعمون، لا كل البرامكة.

وتجدُّ فتنة السبئية بكيدها حتى توقع بين الأخوين الأمين والمأمون فتشتعل الحرب بينهما، وتحمل السبئية سلاحها ضد الأمين؛ لأنه عربي خالص، أما المأمون ففيه شائبة، ثم إنه مضيع الفكر واليقين بثقافة غير إسلامية، فهو إذن صيد ثمين يسهل عليهم صيده.

وتحصد نار الحرب آلاف القرابين من العرب وتقضى على الأمين.

غير أن المنهزمين والمنتصرين من العرب يتناسون جراح المعركة وآلامها ويقفون دون المأمون يذودون عنه السبئية حتى لا تطبق عليه بكل مكائدها [1] وتندلع ثورة"بابك الخرمي" [2] ، ويهرع ألوف وألوف، ويخنس الأفشين قائد جيوش المعتصم عن مناجزته؛ لأنه كان أفعوانا من أفاعي المؤامرة، ولكن حمية أبطال العروبة والإسلام ترغمه مكرها على أن يقاتل صنوه فيقهر"بابك"،

(1) أشعل السبئية في عهد المأمون ثورات كثيرة منها ثورة ابن طباطبا وقائده أبي السرايا سنة 199 هـ. وثورة الحسين بن الحسن الأفطس بمكة.

(2) بدأت سنة 201 هـ في عهد المأمون، وأخمدت سنة 223 هـ في عهد المعتصم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت