فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 284

ويتبين الرشيد أنه أخطاء في العفو؛ فالثائر لا يزال يعمل بغية القضاء على الرشيد؛ فيأمر بسجنه، ولكن جعفر البرمكي يأمر بإطلاق سراحه.

ثم يتحول البرامكة بفتنتهم الضارية إلى الشام؛ إذ كان الدرع القوية للعروبة وللإسلام في كل تلك الأحداث الجسام التي عصفت؛ ولهذا دبر البرامكة - ليخلص لهم الأمر - فتنة بغية تحطيم هذه الدرع القوية الفولاذية، فأثاروا الشقاق بين عرب الشام، فحمَّ القتال بين المضرية واليمانية، وأسرع البرامكة يتراءون بإطفاء الفتنة، وهم مضرموها؛ ليسيطروا بالصنيع الجميل على قلوب هؤلاء العرب الذين نزغ بينهم شيطان البرامكة، فكان أن أخمدت نار الفتنة بالصلح، وكان أن حمل رؤساء الجماعتين إلى الرشيد، فأبى هذا أن يكون له فضل، فوكل أمرهم إلى كبير البرامكة يحيى، فعفا عنهم، وصفح! فلم لا يمجد الناس صنيع البرامكة؟!

لم لا يندفع الشعوبيون والزنادقة الذين تلهب ظهورهم سياط الصهيونية إلى تمجيد المجوسية الفارسية، وأصالة الجنس الفارسي، والحط من شأن العروبة التي يرتق الفرس في كل آونة فتقها؟! لمَ ينالون بالبهتان المسمم من كل ما هو عربي، ويسمِّعون بمثالب يأفكونها؟ لقد مكنهم العرب - ويا أسفاه - من رقابهم بتلاحيهم وتقاتلهم!

ولكن هذا كله لم ينقع غلة البرامكة، فما زال في يد عرب الشام سلاحهم وما زالت هنالك الروح التي تدعوهم إلى التوحد إذا حمَّ الخطر الأكبر؛ لهذا نفث دعاتهم سموم الفتنة مرة أخرى، فأسرع جعفر البرمكي إلى هذه الفتنة، فأخمدها بكل ما يتراءى به الدهاء الذكي من رقة وسماحة، ثم أسرع يلهث إلى هدفه المنشود فجرد عرب الشام من خليهم وأسلحتهم.

وبهذا خلا الشرى من أسوده الأشاوس للبرامكة، فجدوا في الكيد للإجهاز على رمق الواهن من النفوذ العربي الإسلامي. وتدمير صروح الحضارة الإسلامية.

بيد أن الغشاوة كلها انجابت عن عين الرشيد في لحظة ظن الزنادقة فيها أنهم أولو الأمر وسادة الملك، وأن الدولة الإسلامية تكابد الحشرجة الأخيرة. لقد رأى الرشيد الشعوبية الخاتلة تجتاح معالم العروبة، وبدا له كل شيء وكأنما هو معد لعبادة النار، فما في كثير من العقائد إلا شعاع خافت من نور الحق وما في كثير من القلوب إلا هوى يحنو على الزندقة. رأى اللغة والأخلاق ونظم الحكم ووزراءه والكثير من قادته وولاته وحكامه، رأى كل هذا وكل هؤلاء تحت سلطان البرامكة وسطوتهم ومصبوغا أو مصبوغين بصبغتهم. بل رأى نفسه هو يكاد يحطم النير البرمكي عنقه، فجاشت في أعماقه عزيمة العربي الأصيل، والتهبت في نفسه حمية إسلامية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت