هذه المرأة التي صنعت منها الشهوة والذكاء وتوهج الشباب والجمال والعواطف فتنة متوقدة عاصفة هي التي صنعت تاريخ البابية ودينها؛ ولذا أفردنا لها هذا الباب. اسمها"أم سلمى"وقد ولدت في"سنة 1230 هـ - 1814 م"ولم يكن لأبيها ملا صالح القزويني ابنة سواها. وقد لقبت في صغرها"بزرِّين تاج"أي التاج الذهبي؛ إذ كان شعرها ذهبي اللون. رضعت لبان الشيخية على يد عمها"ملا علي". وقد زوجت من ابن عمها"ملا تقي"، وهي صغيرة لا تتوجه بها الرغبة إلى رجل، ولا تحس من الأنوثة في جسدها بوهج، ثم اشتعل شبابها، فإذا هو يشب جمالها ونضرتها، وأنوثتها، فاستشعرت - رغم وجود الزوج- أنها في حاجة ماسة إلى رجل، ولكنها كتمت في نفسها هذه الرغبة الرعناء؛ لما كان للبيئة التي نشأت فيها من سلطان ديني قاهر، وراحت تتفجر شعرًا غزليًا شجيًا يشكو لوعة الحب وقسوة الحرمان. غير أن هذا الشعر لم يزدها إلا ظمأ وولوعًا. فهفت إلى كتب الدين لعلها تسكن من هذه الثورة التي تجتاح أنوثتها، وتعصف بجسدها. ولكنه لم يكن الدين المطيَّب بهدى الله، وإنما كان دين أهواء ونزوات ونزعات فلم ينقع منها غلة، ولم يهف بحس منها إلى هدوء، فكاتبت الشيخ"الرشتى"زعيم الشيخية فأخذ هذا الشيخ الذي ذوت أيامه بما في رسائلها من رقة وسعير يثير في شيخوخته الباردة الخامدة وقدة الحياة والغزل المشبوب باللهفة، فجد في مكاتبتها، ولقبها في رسائله"بقرة العين"فلم تجد الغانية مفرًا من السفر إلى"كربلاء"؛ لتلقى ذلك الشيخ الذي سعر النار في جسدها بهذا اللقب الذي وسوس إليها بأن للخطيئة حلاوة، فسافرت إلى كربلاء. غير أنها لم تصل إليها إلا بعد وفاة الشيخ، ورآها تلاميذه، فرأوا الشيطان في صورة أجمل امرأة تشيع الدفء الساحر في أجسادهم المقرورة، ولياليهم الباردة. فطافوا بها خشعًا سجدًا يتلمسون منها لفحة تحرقهم، أو نفحة تسكرهم، فجعلها هذا أقوى تصميمًا على البقاء في كربلاء بعيدًا عن زوجها ذلك المسخ الذي كانت تحس- وهي بجانبه - أنها تجاور قبرًا منتن الجيف، أو جسدًا تسري فيه قشعريرة الموت الباردة، كان زوجها التعس يرفعها إلى مقام القداسة المعبودة، ولكنها كانت في حاجة إلى طاغية يستذلها، ويستعبدها، ويمرغها في أوحال الخطيئة؛ لهذا أبت العودة إلى زوجها، وبقيت في كربلاء تدرس لتلاميذ الرشتى، وتختار منهم لفتنة الليل من تشاء.
ثم أرسلت إلى البشروئي، وهو في رحلته الماكرة، تسأله عن الموعود المنتظر، وكان قد اختار ميرزا"علي محمد"مهديًا، فوضع رسالتها الرقيقة بين يديه، فراعته، وضمها إلى"حروف حى"