فيطمئن، ويفضى بذات نفسه. ودخل الباب أصفهان، وأنزل منزلة المكرم في دار سلطان العلماء، وطال الزمن، فألح العلماء على الحاكم أن يجمعهم بالباب، فاضطر أن يرضخ، وجمع له طائفة من العلماء الذين مكن لهم في قلوب العامة أن عقولهم محشوة بالجدل الكلامي والأصولي والفلسفي التافه أو بتعبير أدق: محشوة بهذه الثقافة التافهة التي لا تغني فتيلا، ولا تقف في ميدان الصراع ضد الباطل؛ لأنها هي نفسها من أساطيره، وقد جادلوا الباب مجادلة تؤكد أن هؤلاء الشيوخ كانوا حريصين فقط على إظهار مقدرتهم في فنون الجدل والمحاورة، لا على إثبات زندقة الباب فقد سألوه مثلا عن السيرين المتضادين للزمان في عهود أئمة الجور والقسط، وعن طي الأرض للأولياء، هل تطوى بمدنها وقراها وبرها وبحرها وسهلها وحزنها وجبالها وصحاريها، فيلاقي بعضها بعضا أو لا؟ هذه المناقشة تدلك على عقول أولئك الذين احتشدوا؛ لإزهاق باطل صغير، فأمدوه بباطل كبير يعضده، وانتهى الأمر بأن أفتى بعض الشيوخ بكفره وبوجوب قتله، والبعض الآخر بأنه مجنون! ولا مرية في أن هذه الأخيرة كانت في صالح الباب! فالمجنون لا يقتل، ولا يعزر!.
ولقد خشي"منوجهر"أن يغلبه الشيوخ المفتون بقتل الباب على أمره، فأذاع أن الشاه قد استدعى الباب إليه! ثم أخرج الحاكم الباب من أصفهان علانية يراه الناس، ثم أعاده إلى المدينة تحت جنح الليل، وأنزله في قصره معززا مكرما معانا على أمره بكل ما يملك من قوة ..
سجن الباب: وهلك"منوجهر خان"وولى أمر أصفهان بعده أخوه - أو ابن أخيه -"كركين خان"، فعثر بالباب يمرح في القصر، فأخبره ولاة الأمر، فكان أن نفى الباب إلى أذربيجان، وسجن في قلعة هناك.