ولكي تظل صورة الصنم الروسي البابي حية الذكرى في سجل الخونة الذين صنعتهم روسيا، أقبل قنصل الروس- قبل أن تلتقم السباع جسد الباب - فصوره وبعث بالصورة إلى حكومته [1] .
وهكذا قضي على أحقر أكذوبة جهد الاستعمار حينذاك في أن تذكر في التاريخ تحفها مهابة الصدق، وجلال الاستشهاد! تحطم الصنم الذي أقامته أيد باغية؛ لتصرف الناس إما إلى القتال دونه، وأما إلى القتال ضده. فيشغلوهم عما يدبر من مكائد ومؤامرات للأمة.
وما كان الباب سوى حدث غر مأفون دفعه إلى ادعاء ما ادعى هوس استبد به تحت إغواء عصابة مهدرة الأخلاق، ثائرة الأحقاد ضد الإسلام، عاصفة الرغبة في السيطرة. ما كان إلا خنوثة كريهة، ينفر منها رفيف المس من الرجولة وضعفًا شائن المذلة، وهمة خامدة، لا تدفع، ولا تدافع، فلم تقف موقفًا ينسبه التاريخ إلى قوة أو سمو أو كرامة. كانت طبيعته الأفن في الرأي والنفاق الذي لا يعرف مجنًا غير ذل الجبن، ووضاعة الزلفى. كان التابع المستكين الذي لا يثير في القلب إلا النفار منه، وحق ما يقوله الأستاذ العقاد في شأنه، وهو يتكلم عن دعاة المهدية:"منهم من يخالطه الوسواس، فيفعل أفعال المجانين، ونحسب أن الباب أشد هؤلاء ثقة بنفسه في البداية، وأقلهم ثقة بها في النهاية؛ لهذا كان أبعدهم عن العقيدة السوية في الإسلام"كان الباب قويا في أول أمره؛ لأن الذين صنعوه كانوا معه!.
كتب الباب وأسلوبه
إن القارئ لكتب الباب يشعر شعورًا صادقًا يطابق الحقيقة والواقع أنه رجل خولط في عقله، وأن ما في هذه الكتب أمشاج متباينة متناقضة اختارها غلام يتنازعه فكر مضطرب، وخيالات هاذية، فلا ترى فيها فكرة نابهة، أو عاطفة صادقة، أو تصويرًا جميلًا، أو أسلوبا مشرقا، وإنما ترى جملًا ينفر بعضها من بعض، ويناقض أولها آخرها، وأشد ما يثير دهشتك وسخريتك تلك السجعات التي يختم بها فقراته، فهي حروف مركبة تركيبًا لا يوحي بمعنى، ولا يومئ إلى دلالة، ولا صلة أبدًا لها بما يسبقها من القول. وكان يحاول تقليد أساتذته من الصوفية، فينزع إلى ما يظنه رموزًا. بيد أنه كان مكرهًا على هذا؛ إذ لم يكن يملك وسيلة البيان، ولا الفكرة السوية، ولا القدرة على التعبير. أما الصوفية فكانوا يجنحون إلى هذه الرمزية سترا لزندقة باغية وإلحاد طاغية في قدرة على التعبير، وتمكن من فن البيان وإليك مثلًا من كتابته:"تبارك الله من سلط"
(1) (( ص 446 الكواكب، ص 33 مقالة سائح.