وهما مختصان - كما سبق بيانه - بالأنبياء والأولياء، وهذا يستلزم حتما القول بأن الأنبياء والأولياء هم وحدهم الذين لهم العود والرجوع. أما غيرهم، فلا عود لهم، ولا رجوع، ولكن البهائية في مكان آخر تؤمن برجعة الكفار، وتؤكد أن الذين كفروا بالبهاء هم رجعة لمن كفروا بمحمد وغيره، فأولئك هم عين هؤلاء في الأرواح والذوات والصفات.
ويزعم عبدالبهاء أن موسى وإيليا والمسيح والبهاء وغيرهم من النفوس العليا في الملأ الأعلى، وأن هنالك بينهم اتصالا. فما هذا الوجود الذي خلعه على هؤلاء في الملأ الأعلى؟ وكيف يوجدون منفصلين متميزين، وهم حقيقة واحدة مجردة. هي الحقيقة الإلهية؟ ثم ما تلك الحقيقة الإلهية التي تعينت في هيكل بشري آخر بعد فناء هياكل أولئك؟ أهي هؤلاء الذين زعم أنهم في الملأ الأعلى، أم هي غيرهم؟ تناقض باد وخلل بين، وكذلك الباطل دائما. ولقد سألت امرأة عبدالبهاء عن مسألة الرجوع بعد الموت إلى الدنيا، فأسكرها - قبل أن يجيب - بالغزل المخمور، ثم قال:"أما مسألة الرجوع إلى هذه الدنيا الفانية، فهذه الدنيا دار العذاب، ودار البلاء، ودار الشقاء، فالرجوع إليها عقاب". وقال لها أيضا"إن الروح كطير محصور في قفص الجسد. ومتى تكسر هذا القفص طارت إلى رياض الملكوت بكل سرور وحبور" [1] . وقد قرر من قبل أن روح الأنبياء والأولياء سرمدية الإشراق من مطالعها، كلما غابت عن جسد أشرقت من جسد آخر. وهنا يحكم أن الرجوع إلى الدنيا عقاب! فكيف يحكم على مطالع الأحدية بأنهم في عذاب سرمدي وهم مقيم، بهذا الرجوع؟ متناقضات مركوم بعضها فوق بعض، حسب عبدالبهاء أن يبني قصرًا، أو يسمع هتافًا، أو يترشف وعد امرأة بليلة خاطئة!
تؤمن البهائية بأن القيامة هي قيام الحقيقة الإلهية في هيكل بشري، وبأن القيامة الكبرى هي قيامها في هيكل ميرزا"حسين علي"، وتؤمن كذلك أنه ما من امرئ إلا ويدخل الجنة أو النار قبل مفارقة الروح للجسد [2] وتؤمن أحيانا ببقاء الروح الإنسانية، وبخلود الروح الملكوتية، وسرمدية تجليها في أجساد بشرية.
ولكن البهائية لا تخجل أبدًا من أن تجمع بين الإيمان والكفر بشيء واحد في لحظة واحدة؛ فقد قررت أن لكل روح حياة مستقلة بعد الموت في عالم المجردات؛ فعبدالبهاء يقول عن الموتى:"أنهم يرون أحباء الله من الأولين والآخرين مجموعين في الرفيق الأعلى"كما يؤكد أنه
(1) ص 186 بهاء.
(2) ص 97، 99 محادثات، ص 195 مكاتيب.